بقلم الكاتب والأكاديمي الدكتور نايف كوردستاني
في تاريخ الشُّعوب هناك محطاتٌ فارقة، وقادةٌ يتركون بصماتهم ليس بالشِّعارات البرّاقة، والمنمَّقة، والوعود الجوفاء، بل بما ينجزونه من الأعمال، والمشاريع على أرض الواقع، وفي إقليم كوردستان برز اسم رئيس حكومة إقليم كوردستان (مسرور بارزاني) بوصفه أحد أبرز الرُّموز، والشَّخصيّات السِّياسيَّة التي قادت مرحلة حسَّاسة، ودقيقة اتّسمت بجملة من التَّحدّيات الاقتصاديَّة، والأمنيَّة، والسِّياسيَّة، وفي الوقت نفسه فتحت آفاقًا واسعة للإصلاح، والتَّنمية، وترسيخ الحُكم الرَّشيد.
لقد تسلَّم (مسرور بارزاني) رئاسة حكومة إقليم كوردستان في مرحلة مفصليَّة لم تكن سهلة؛ فإقليم كوردستان كان يواجه آثار الحرب ضد تنظيم (داعش) الإرهابيّ، وتداعيات الأزمة الماليَّة، والخلافات المستمرّة مع الحكومة الاتّحاديَّة في بغداد بشأن الحقوق الدُّستوريّة، فضلًا عن التَّحدّيات الإقليميَّة، والدَّوليَّة. ومع ذلك اختار أنْ يجعل من هذه التَّحدّيات منطلقًا للعمل، لا ذريعة للتَّراجع واضعًا نصب عينيه بناء حكومة مدنيَّة عصريَّة تقوم على الإصلاح، وتعزيز الاقتصاد من أجل خدمة المواطنين في إقليم كوردستان، ومنذ الأيام الأولى لتوليه المسؤولية أعلن عن أنَّ الإصلاح الإداريّ، والماليّ سيكونان حجر الأساس في برنامجه الحكوميّ. فالإصلاح ليس شعارًا يُرفع في المناسبات، والمحافل الرَّسميَّة، وأثناء الحملات الانتخابيَّة من خلال خطابات حماسيَّة لإثارة مشاعر الجماهير، بل عملية مستمرِّة تُهدف إلى بناء مؤسّسات حكوميَّة قويَّة، ومحاربة الفساد، وتعزيز أسس الشَّفافيّة، وترسيخ مبدأ سيادة القانون. وقد شهدت مؤسسات إقليم كوردستان خلال السَّنوات الأخيرة سلسلة من الإجراءات التي تهدفُ إلى تطوير مؤسسات الإدارة الحكوميَّة، وتحديث الخدمات، واعتماد التَّقنيّات الحديثة لتسهيل معاملات المواطنين، وتقليل الرُّوتين الإداريّ المُمل، والإجراءات البيروقراطيَّة بما يُعزِّز من كفاءة المؤسّسات الحكوميَّة، ويزيد من قدرتها في مواجهة المتغيرات.
أمَّا في الجانب الاقتصاديّ فقد تبَّنى (مسرور بارزاني) رؤية إستراتيجيَّة تقوم على تنويع مصادر الدَّخل، وعدم الاعتماد على مورد النّفط وحده، فالاقتصاد القوي لا يُبنى على مورد واحد، بل على تنمية قطاعات متنوِّعة من الزِّراعة، والصِّناعة، والسِّياحة، والاستثمارات؛ لأنَّ الدَّولة التي تعتمد على مصدر دخل واحد تُسمَّى بالدَّولة الرَّيعيَّة، وهو ما يُسمَّى لدى المختصين بالمرض (الهولندي)، وأغلب بلدان العالم المُتقدِّمة تعتمد على مصادر دخل متنوِّعة من أجل تقوية اقتصادها المبني على رؤية إستراتيجيَّة بتنوّع مصادر الدَّخل القوميّ؛ ولهذا عملت حكومة إقليم كوردستان على تشجيع الاستثمارات المحليَّة، والأجنبيَّة، وتهيئة بيئة قانونيَّة، وإداريَّة أكثر جذبًا لرؤوس الأموال إلى جانب إطلاق برامج لدعم القطاَّع الخاص بوصفها شريكًا أساسيًا في التَّنمية الاقتصاديَّة، وتوفير فرص العمل لمواطني إقليم كوردستان.
وفي المجال الزِّراعيّ أولت حكومة إقليم كوردستان اهتمامًا خاصًا بدعم المزارعين، وتشجيع الإنتاج المحليّ، وتقليل الاعتماد على الاستيراد بما يُعزِّز الأمن الغذائيّ لإقليم كوردستان. كما شهدت مشاريع البُنية التَّحتيَّة الزِّراعيَّة تطورًا ملحوظًا من خلال إنشاء السُّدود المائيَّة، وتطوير شبكات الرّيّ، وتقديم التَّسهيلات للمزارعين، وهو ما انعكس على زيادة الإنتاج المحليّ في العديد من المحاصيل الزِّراعيَّة.
ولم تغفل حكومة إقليم كوردستان برئاسة (مسرور بارزاني) أهمية البُنية التَّحتيّة بوصفها أساس التَّنمية المُستدامة، فقد استمرّت مشاريع إنشاء الطُّرق، والجسور، وتطوير شبكات الكهرباء، والمياه، وتوسيع المُدن، وتحسين الخدمات العامَّة بما يسهم في رفع مستوى معيشة المواطنين، ويجعل إقليم كوردستان أكثر قدرة على استقطاب الاستثمارات الأجنبيَّة، والمشاريع الكبرى.
وفي قطاع الطَّاقة سعت الحكومة إلى تحقيق أكبر قدر من الاستقرار في إنتاج الكهرباء، وتقليل ساعات الانقطاع، والعمل على تنفيذ مشاريع إستراتيجيَّة تهدف إلى الوصول إلى الاكتفاء الذَّاتيّ من خلال مشروع (روناكي) بما يخدم المواطنين، والقطَّاع الصِّناعيّ، والزِّراعيّ، والاستثماريّ على حد سواء.
أمَّا على الصَّعيد الأمنيّ، فقد أثبتت حكومة إقليم كوردستان قدرتها الفائقة بالحفاظ على الأمن، والاستقرار على الرَّغم من الظُّروف الإقليميَّة المُعقدة المحاطة بإقليم كوردستان. ويُعدُّ الأمن أحد أبرز عوامل نجاح تجربة إقليم كوردستان، إذ ساهم في خلق بيئة مُستقرّة للتّنميَّة، وجلب الاستثمارات المحليَّة، والأجنبيَّة، وفي تعزيز ثقة المواطنين والمجتمع الدَّوليّ بإقليم كوردستان. كما واصلت قوات الپـيشمرگـة أداء دورها الوطنيّ، والبطوليّ في مواجهة الإرهاب، والإرهابيين بالتَّعاون مع التَّحالف الدَّوليّ للحيلولة دون عودة تلك التَّنظيمات الإرهابيَّة.
وسياسيًا انتهج (مسرور بارزاني) سياسة تقوم على أسس الحوار البنّاء، والدّبلوماسيَّة مع التّمسّك بالحقوق الدُّستوريَّة لإقليم كوردستان. فقد أكَّد في مختلف المحافل، والمناسبات أنَّ العلاقة بين (أربيل، وبغداد) ينبغي أنْ تقوم على أساس الدُّستور، والشَّراكة الحقيقيَّة، والاحترام المتبادل بين الأطراف السِّياسيّة بعيدًا عن سياسة الضُّغوطات، أو فرض الإرادات. كما حرص على تعزيز علاقات إقليم كوردستان مع المجتمع الدَّوليّ من خلال الانفتاح على مختلف الدُّول، وتشجيع التَّعاون الاقتصاديّ، والاستثماريّ، والثَّقافيّ.
ويُولي رئيس حكومة إقليم كوردستان (مسرور بارزاني) اهتمامًا كبيرًا بالطَّبقة الشَّبابيَّة إدراكًا منه، وإيمانًا بأنَّهم الثَّروة الحقيقيَّة لأيّ مُجتمع مُتقدّم؛ لذلك عملت حكومة كوردستان على إطلاق برامج لدعم رُوّاد الأعمال، وتشجيع الابتكارات، وتوفير فرص التَّدريب، والتَّأهيل بما يساعد الشَّباب على دخول سوق العمل، والمساهمة في بناء اقتصاد أكثر تُنوّعًا، وحيويّة.
وفي قطّاع التَّعليم سعت حكومة كوردستان إلى تطوير المؤسّسات التَّعليميَّة، وتشجيع التّحوّل الرَّقميّ، وربط مخرجات التَّعليم باحتياجات سوق العمل بما يضمن إعداد جيل قادر على المنافسة، ومواكبة التّطوّرات العلميَّة، والتَكنولوجيَّة العالميَّة. كما حظي قطَّاع الصَّحة باهتمام واضح من خلال دعم المستشفيات، وتوسيع الخدمات الطُّبيَّة، وتحسين البُنية الصَّحية بما ينعكس إيجابًا على حياة المواطنين.
ولم يكن الاهتمام بالبيئة بعيدًا عن أولويّات الحكومة إذ شهد إقليم كوردستان إطلاق مبادرات للتَّشجير، وحماية الموارد الطبيعية، وتشجيع استخدام الطَّاقة النَّظيفة في إطار رؤية تهدف إلى تحقيق تنمية مُستدامة تحفظ حقوق الأجيال القادمة، ومن ذلك مشروع (الحزام الأخضر) حول أربيل عاصمة إقليم كوردستان.
ومن السِّمات البارزة التي ميّزت أداء (مسرور بارزاني) اعتماده على التَّخطيط الإستراتيجيّ بعيد المدى، وعدم الاكتفاء بالحُلول المؤقتة التَّرقيعيّة كما تفعل بعض الحكومات، فبناء الدُّول لا يتحقّق بقرارات آنيّة مستعجلة، بل برؤية إستراتيجيَّة تستشرف المستقبل، وتُؤسِّس لاقتصاد قويّ، وإدارة حديثة، ومؤسّسات مُستقرّة؛ ولهذا جاءت العديد من المشاريع الحكوميَّة ضمن خطط طويلة الأمد تستهدف تحسين جودة الحياة، وتعزيز تنافسية إقليم كوردستان على المستويين الإقليميّ، والدَّوليّ.
كما يُؤكِّد (مسرور بارزاني) في خطاباته دائمًا أنَّ نجاح الحكومة لا يُقاس بما تعلنه من وعود، بل بما تحقّقه من نتائج ملموسة يشعرُ بها المواطن في حياته اليوميَّة على أرض الواقع، ومن هذا المنطلق ركّزت الحكومة على تحسين الخدمات، وتطوير الإدارة، وتعزيز الكفاءة، بما يُسهم في رفع مستوى الأداء الحكوميّ، وترسيخ ثقة المواطنين بالمؤسّسات.
وهذه أبرز إنجازات التَّشكيلة الحكوميَّة التاسعة في إقليم كوردستان برئاسة (مسرور بارزاني) تشييد، وافتتاح جامعتين، وتأهيل (3273) مدرسة، وإنشاء (44) كليَّة، ومعهدًا، وتنفيذ (97) مشروعًا صحيًا شملت مستشفيات جديدة، ومشروع (روناكي) للكهرباء الوطنية استفاد منه (5.479.900) مواطن في إقليم كوردستان، وقد شمل (54.000) من القطّاعين الزِّراعيّ، والصِّناعيّ، واستفاد منه (153.000) من أصحاب المحلات التَّجاريّة، وأكثر من (950) ألف موظف في القطاّع العامّ يستخدمون مشروع (حسابي)، واستقطاب الاستثمارات تتجاوز (24) مليار دولار في مختلف القطاعات، وإنجاز (810) مشروع في الطُّرق، والجسور، فضلًا عن استمرار العمل في (461) مشروعًا آخر، وتنفيذ (6069) مشروعًا في مجال الخدمات، والبلديات، والسِّياحة، والآثار، وإنشاء (9) سدود مائيَّة، وتنفيذ (87) مشروعًا مائيًا في أربيل، وتنفيذ مشروع (الحزام الأخضر) حول أربيل، وإطلاق أكثر من (29) نظامًا رقميًا للخدمات الإلكترونيَّة تشمل (KRDPass)، ونظام الرَّواتب، ومنصّة الشَّكاوى، والتَّطبيق التَّجاريّ، وإنشاء (30) ألف بيت بلاستيكيّ، وافتتاح (1341) معملًا للتَّصنيع الغذائيّ، وإنشاء (سايلوات) بسعة تخزينيَّة تبلغ (160) ألف طن.
لقد أثبتت التَّجارب أنَّ الشُّعوب تتقدّم عندما تمتلك قيادة وطنيَّة تجمع بين الرُّؤية الإستراتيجيَّة، والإرادة الصَّلبة، والإخلاص في العمل، وهذه المعادلة لا تكتمل إلا بتكاتف المجتمع مع مؤسّساته الحكوميَّة، ودعم مشاريع الإصلاح، والتَّنمية؛ لأنَّ بناء المستقبل مسؤولية مشتركة بين الحكومة، والمواطنين.
إنَّ مسيرة التَّنمية في إقليم كوردستان لا تزال مُستمرّة، والطُّموحات أكبر من الإنجازات المُتحقّقة على أرض الواقع، لكن ما تحقّق خلال السَّنوات السَّبع الماضيَّة يعكس وجود رؤية إستراتيجيَّة تسعى إلى بناء اقتصاد مُتنوّع، وعدم الاعتماد على مورد اقتصاديّ واحد، وإدارة حديثة، ومؤسّسات قويَّة، وعلاقات متوازنة مع مختلف الشُّركاء بما يُعزِّز من مكانة إقليم كوردستان، ويُحقّق مصالح مواطنيه.
وتبقى تقييم أية تجربة سياسيَّة مرهونة بما تتركه من أثر في حياة المواطنين، وبقدرتها على مواجهة الأزمات، وصناعة الفُرص، ومن هذا المنطلق يُمثِّل (مسرور بارزاني) أنموذجًا لقيادة تضع التَّنمية، والإصلاح، والاستقرار الأمنيّ في مُقدّمة أولوياتها، ويسعى إلى ترسيخ أسس الحُكم الرَّشيد، وتعزيز مكانة إقليم كوردستان بوصفه أنموذجًا للاستقرار، والتَّقدّم في منطقة تعجُّ بالتَّحديات السِّياسيَّة، والأمنيَّة، والاقتصاديَّة. إنَّ مستقبل الأمم لا تصنعه الأمنيات، بل تصنعه الإرادة الصَّلبة، والعمل الدؤوب، والرُّؤية الإستراتيجيَّة الواضحة، وهي المبادئ التي تُشكّل أساس أيّ مشروع وطني يخدم المواطنين من أجل رفاهيتهم، وتحسين وضعهم الاقتصاديّ.
ولا يمكن قياس كفاءة القادة في أوقات الاستقرار، بل تظهر حقيقتهم القياديَّة عندما تواجه بلدانهم، وشعوبهم الأزمات السِّياسيَّة، والأمنيَّة، والاقتصاديَّة، ففي مثل هذه الظُّروف تتضّح القُدرة على اتّخاذ القرارات الحكيمة، وحسن إدارة الموارد، وتحويل التَّحدّيات إلى استثمار الفرص، ومن هذا المنطلق برز دور رئيس حكومة إقليم كوردستان (مسرور بارزاني) في إدارة مجموعة من الملفّات المُعقّدة التي واجهت إقليم كوردستان من خلال تداخل الأزمات المحليَّة، والإقليميَّة، والدَّوليَّة.