تآكل الدولة

سمير ميراني

نفهم أزمة الحكم في العراق في ضوء جذورها التاريخية العميقة، فما يحدث اليوم نتيجة تراكم تاريخي طويل فشل في إنتاج دولة الحق، وأعني هنا العراق ما بعد ٢٠٠٣، حيث تحولت المحاصصة من تسوية مؤقتة إلى نظام دائم، والتاريخ يكشف الحقيقة بصدق، ويفضح ما تخفيه البنى حين تتآكل.
تعاني الدولة ما أسماه مالك بن نبي “القابلية للاستعمار الداخلي”، ذلك الداء العضال الذي يحوّل جهاز الدولة من أداة خدمة إلى أداة هيمنة، تتوزع المناصب وفق الانتماء لا الكفاءة، وتسن القوانين لخدمة المحاور لا المواطن، فتنتفي البنية الوطنية الجامعة، وتتحول الديمقراطية إلى شكلٍ بلا عدالة، تستخدمه السلطة أداة لتثبيت سلطانها، فتبقي الحكم حبيس يدها، وتُجمّل الظلم، وتبقي الاستبداد قائماً في الجوهر.
وحين تفقد الدولة شرعيتها الجوهرية، وتتشبث بشرعيتها الإجرائية وحدها، تستمر شكلاً بلا روح : مؤسسات قائمة، وسلطة تقيم انتخابات وتصدر قوانين، بينما العدالة التي تمنح هذه البنية معناها تكون قد غادرتها فعلاً ، عند هذه النقطة يبدأ مسار التحلل البطيء، وينتهي إلى ما وصفه روبرت روتبرغ ب”الدولة الفاشلة”، ذلك العجز البنوي المتجذر عن أداء الوظائف الأساسية في العدالة والأمن والتنمية.
وزاد التوظيف الأيديولوجي للعقيدة من وطأة هذا الانهيار، إذ وظّفت السلطة منظومتها الفكرية للانفراد بالحكم، فاتخذت من العقيدة درعاً للسلطان، مفرغةً إياها من طاقتها العمرانية، فتأخرت الدولة عن ركب الحضارة وبقيت رهينة صراعات الماضي وثأراته، ودفع المجتمع بحقوقه ورفاهيته ثمن هذا التوظيف الأيديولوجي صامتاً.
أفضى هذا المسار إلى انكسار العقد الاجتماعي، ذلك الميثاق الضمني الذي تقوم عليه شرعية الحكم ، يتعطل مسار الديمقراطية لصالح الطائفية والمركزية الإقصائية: القرارات المصيرية تختزل في طائفة واحدة، والمحافظات تهمّش في الموازنات والقرارات، وهنا تتصحّر الحياة السياسية وتنقطع أواصر الانتماء الوطني، ويبدأ شركاء الوطن البحث عن جغرافياتهم الخاصة، حيث يصونون هويتهم ويحفظون خصوصياتهم، بعيداً عن مركز سلطة فقد تمثيله لهم.
وفي صميم هذه المعادلة المختلة، مارست السلطة استعلاء نبلاء المذهب، فمنحت اتباع نهجها الامتيازات في التعيينات الأمنية والخدمية وقوانين التقاعد، ووزعت صكوك العرفان على شركاء المذهب دون شركاء الوطن، إدامةً لسلطانها وإطالةً لعمرها.
وكان الثمن فشلاً اقتصادياً ومالياً ذريعاً، إذ صار الفساد أداة لشراء الولاءات لا جريمة يعاقب عليها القانون، وكان ثمناً إدارياً بلغ حد الإخفاق الشامل، وثمناً ديموغرافياً طال المنح والعمران في أغلب المحافظات ، تماماً كما طال إقليم كوردستان بإهمال متعمد وحصار ممنهج.
وهذا الظلم المتراكم أثار نقمة شركاء الحكم قبل نقمة الشعب، ورسخ في الوجدان الجمعي حقداً وكراهية تستعصي على الوعود الوهمية والتخويف معاً، وحين يبلغ الحقد المتراكم حده الأقصى في المجتمعات المقهورة، يتحول إلى فوضى عارمة، وهذه الفوضى أوصلت العراق إلى هذا الخراب الذي نشهده، بوصفه نهاية حتمية لمسار طويل من الظلم والإقصاء.
وتتجاوز المسؤولية حدود السلطة، فثمة شراكة فكرية في هذا الانهيار: نخبٌ وظفت أقلامها لتبرير الظلم وتزييف الوعي الجمعي، ونخبٌ أخرى آثرت الصمت الإرادي حين كانت الشهادة واجباً، وكلتاهما شريكة في هذا السقوط الذي بلغته أمة الحضارة.
إن في التاريخ لعبرة لمن أراد أن يرى، فالأمم التي أهملت إصلاح بنيتها الداخلية، وآثرت الظلم على العدالة، جنت الانهيار وحده، والعراق اليوم يقف على هذا المفترق ذاته، حيث يحمل الإصلاح معنى البقاء نفسه، ودولة المواطنة الحقيقية وحدها تسع الجميع وتحفظ لكل شريك فيها معناه، فالتاريخ يهب كل أمة فرصتها الوحيدة، وتصنع بها ملامح مصيرها القادم.

قد يعجبك ايضا