ما بعد المونديال… لعبة كرة أم لعبة اقتصاد؟!

تزرين يعقوب سولا

كلما اقيمت بطولة كأس العالم أو إحدى البطولات الكبرى، بدا وكأن العالم يتوقف عن الدوران. تتغير أولويات الناس، وتمتلئ الشوارع والمقاهي بالمشجعين، وتتحول نتائج المباريات إلى حديث الساعة، حتى يخيل إلينا أن مصير الشعوب بات معلقاً بهدف يدخل مرمى أو ركلة جزاء تُهدر. هل أصبحت الرياضة، او بالأخص كرة القدم، “أفيون الشعوب”؟

هذا الوصف ليس جديداً. فقد استخدم الفيلسوف الروماني يوفينال قبل نحو ألفي عام عبارة “اعطهم الخبز والسيرك” ليصف كيف كانت الجماهير تُشغل بالترفيه حتى تنصرف عن القضايا الكبرى. وهي عبارة استعارها كثير من المفكرين لاحقاً للحديث عن أي وسيلة تُستخدم لتخدير الوعي الجماعي وإلهاء الناس عن حقوقهم ومشكلاتهم الحقيقية.

لا أتبنى هذا الوصف او إطلاقه، لأن الرياضة في أصلها ليست مشكلة، بل هي من أجمل ما يمارسه الإنسان. فهي تبني الجسد، وتنمي روح الفريق، وتعلم الانضباط والمنافسة الشريفة. وأقول هذا من تجربة شخصية، فقد كنت لاعبة كرة الطائرة وتنس الطاولة، ومثلت أحد الأندية، وخضت مباريات مع أندية محلية، وحققنا نتائج نفخر بها، وما زلت حتى اليوم أمارس الرياضة بشكل يومي. لذلك فإن حديثي ليس نابعاً من موقف معادٍ للرياضة، وإنما من رفضي للمبالغة في تقديسها.

قد يختلف معي كثيرون، وأحترم ذلك، لكنني لا أمتلك ذلك الشغف المفرط بمتابعة المباريات. أحياناً أسأل عن النتيجة بدافع الفضول، ثم ينتهي الأمر. فلا أرى أن دخول كرة إلى الشباك هو ما يرفع رأس بلد أو يمنحه مكانته بين الأمم. إنها فرحة مؤقتة، ونشوة قد تدوم أياماً قليلة، ثم يعود الناس إلى واقعهم بكل ما فيه من تحديات.

ولا يمكن تجاهل أن كرة القدم اليوم لم تعد مجرد لعبة، بل أصبحت صناعة عالمية بمليارات الدولارات، تحركها حقوق البث والإعلانات والرعايات والاستثمارات. ولهذا تُصنع حولها هالة إعلامية هائلة، ليس فقط لأنها رياضة محبوبة، بل لأنها أيضاً سوق اقتصادية ضخمة تحقق أرباحاً لا تُحصى.

ومن أكثر ما يثير الدهشة الأرقام الفلكية التي تُدفع لشراء لاعب أو تجديد عقده، بينما تعجز دول بأكملها عن بناء مدارس حديثة أو مستشفيات أو توفير فرص عمل لشبابها. لا أقلل من قيمة الرياضيين ولا من حقهم في النجاح، لكن هذا التضخم المالي يدفعنا إلى إعادة التفكير في منظومة الأولويات التي يعيشها العالم.

الرياضة جميلة، والفرح بها جميل، ولا أحد يعترض على أن يشجع الإنسان فريقه أو يحتفل بفوزه. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التشجيع إلى تقليد أعمى، أو إلى معيار يُقاس به انتماء الإنسان للمجتمع، فيُنظر إلى من لا يهتم بتشجيع كرة القدم وكأنه يعيش خارج العصر، أو لا يستطيع مجاراة الآخرين.

ليس مطلوباً من الجميع أن يحبوا الشيء نفسه، ولا أن ينفعلوا بالطريقة نفسها. فكما نحترم من يجد متعته في كرة القدم، ينبغي أن نحترم أيضاً من يجد شغفه.
إن المجتمعات المتوازنة لا تُقاس بعدد المشجعين، بل بعدد المفكرين والمبدعين والعلماء والمعلمين والأطباء والمهندسين، وبقدرتها على بناء الإنسان قبل صناعة الأبطال.

استمتعوا بالرياضة، وشجعوا فرقكم، وافرحوا بانتصاراتها، لكن لا تجعلوا صخب الملاعب يطغى على القضايا التي تصنع مستقبل الأوطان. فالأوطان تُبنى بالعقول، وتنهض بالعدالة، وتُرفع رؤوسها بكرامة الإنسان، لا بعدد الأهداف المسجلة في الشباك.

قد يعجبك ايضا