زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن: فرصة لإعادة رسم مستقبل العراق

د. حمدي سنجاري

في اللحظات الفاصلة من تاريخ الأمم، لا تُقاس الزيارات الرسمية بعدد اللقاءات أو الصور التذكارية، بل بما تفتحه من آفاق سياسية واقتصادية وأمنية قادرة على إعادة صياغة مستقبل الدول. من هذا المنطلق، تكتسب زيارة رئيس مجلس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى الولايات المتحدة أهمية استثنائية، بوصفها محطة قد تؤسس لمرحلة جديدة من الشراكة الدولية، وتعزز مكانة العراق دولةً ذات سيادة ومؤسسات قادرة على حماية مصالح مواطنيها.
وإذا ما أثمرت الزيارة عن تفاهمات سياسية مع الإدارة الأمريكية، بما في ذلك دعم الرئيس دونالد ترامب للحكومة العراقية وبرنامجها الإصلاحي، فقد يمنح ذلك بغداد زخماً إضافياً لتنفيذ إصلاحات طال انتظارها، ويبعث برسالة ثقة إلى المجتمع الدولي والمستثمرين مفادها أن العراق يسير بخطى ثابتة نحو الاستقرار وترسيخ دولة المؤسسات.
ويأتي في مقدمة الملفات التي يترقب العراقيون إحراز تقدم فيها ملف مكافحة الفساد، الذي استنزف موارد البلاد على مدى عقود، وأضعف ثقة المواطن بمؤسسات الدولة. ولا سبيل لنجاح أي مشروع نهضوي ما لم يُستأصل الفساد من جذوره، ويخضع الجميع لسيادة القانون دون استثناء. فإذا نجحت الحكومة في بناء تعاون دولي فاعل في مجالات استرداد الأموال المنهوبة، وتعزيز الشفافية، وتطوير الأجهزة الرقابية، فسيكون ذلك خطوة حقيقية نحو دولة حديثة تحترم حقوق مواطنيها.
وبالتوازي مع الإصلاح الاقتصادي والإداري، يبقى حصر السلاح بيد الدولة أحد أهم مقومات الاستقرار. فالعراق لن يحقق سيادة كاملة، ولن يجذب الاستثمارات، ولن يضمن أمناً مستداماً، ما دام السلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية يشكّل تحدياً لسلطة الدولة. وأي تقدم في هذا الملف، سواء عبر تقليص مظاهر التسلح غير الشرعي أو التوصل إلى حلول تنهي هذه الظاهرة، سيعزز هيبة الدولة ويؤسس لمرحلة يكون فيها القانون المرجعية الوحيدة للجميع.
كما تمثل العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان إحدى الركائز الأساسية لاستقرار العراق. ومن شأن أي تفاهمات جديدة تستند إلى الدستور، وتقوم على الحوار والتوازن والشراكة، أن تعزز الوحدة الوطنية، وتفتح الباب أمام معالجة الملفات العالقة بروح من المسؤولية المشتركة. كما أن إعلان إقليم كوردستان دعمه لجهود مكافحة الفساد، واستعداده للمساهمة في حل الإشكاليات العالقة، يشكل فرصة حقيقية لفتح صفحة جديدة من التعاون بين الجانبين، يكون عنوانها خدمة المواطن العراقي في جميع المحافظات دون تمييز.
ولا ينبغي النظر إلى استقرار العراق باعتباره مصلحة عراقية خالصة، بل هو مصلحة إقليمية مشتركة. فدول الجوار ستكون من أكبر المستفيدين من عراق قوي ومستقر، يمتلك اقتصاداً متنامياً، ومؤسسات راسخة، وحدوداً آمنة. فالاستقرار العراقي يعني فرصاً أوسع للتجارة والاستثمار، وتعاوناً أمنياً أرحب، ومشاريع تنموية تخدم شعوب المنطقة بأكملها. ومن هنا، فإن دول الجوار ليست مجرد مراقب لما يجري في العراق، بل يمكنها أن تكون شريكاً فاعلاً في دعم استقراره، وعاملاً مساعداً في بناء مستقبل أكثر ازدهاراً للجميع.
لقد عانى العراق سنوات طويلة من الفساد وسوء الإدارة والصراعات التي أنهكت الدولة وأثقلت كاهل المواطن، وكانت تلك المرحلة سبباً في ضياع فرص تنموية هائلة، رغم ما يملكه العراق من ثروات وإمكانات بشرية واقتصادية كبيرة. غير أن العراقيين اليوم يتطلعون إلى مرحلة مختلفة، عنوانها الإصلاح، وسيادة القانون، واحترام كرامة الإنسان، وتوفير الخدمات، وخلق فرص العمل، وبناء اقتصاد قوي يخدم الجميع.
والأمل الحقيقي لا يُبنى بالشعارات، بل بالإرادة السياسية والقرارات الشجاعة والتنفيذ الجاد. فإذا نجحت الحكومة في تحويل هذه المرحلة إلى مشروع وطني شامل للإصلاح، فلن يستعيد العراق مكانته الإقليمية والدولية فحسب، بل سيمنح أبناءه ما طال انتظارهم له: وطناً يحميهم ويرعاهم، ويضمن لهم حياة كريمة ومستقبلاً يليق بتضحياتهم.
إن زيارة واشنطن يمكن أن تكون بداية هذا المسار، شرط أن تُترجم إلى نتائج عملية، وأن تبقى الأولوية فيها للمصلحة الوطنية العراقية، وتعزيز سيادة الدولة، وإرساء حكم القانون، وبناء شراكات تخدم حاضر العراق ومستقبله.

قد يعجبك ايضا