“حينَ تفشلُ السِّياسةُ ويُستنزَفُ الشَّعبُ… قراءةٌ في مأزقِ الحركةِ السِّياسيَّةِ الكورديَّةِ في سوريّا”
أ.عبدالكريم مراد
ليستْ معاناةُ الشُّعوبِ قدرًا أبديًّا لا يتغيَّر، بل تكونُ في كثيرٍ من الأحيانِ نتيجةَ خياراتٍ سياسيَّةٍ خاطئة، أو عجزٍ مزمنٍ في القيادة، أو ارتهانٍ لمصالحَ لا تعبِّرُ عن تطلُّعاتِ النّاسِ وهمومِهم الحقيقيَّة.
وفي الحالةِ الكورديَّةِ في سوريّا، لا يبدو المشهدُ استثناءً، بل يمثِّلُ نموذجًا واضحًا لتراكمِ الإخفاقاتِ السياسيَّة، وسوءِ إدارةِ الخيارات، حتّى تحوَّلتِ القضيَّةُ من نضالٍ من أجلِ الحقوقِ القوميَّةِ والوطنيَّةِ إلى أزمةٍ عميقةٍ في إدارةِ الواقع، وفقدانِ البوصلةِ السياسيَّة.
وحينَ يُمعِنُ المرءُ النَّظرَ في الواقعِ الكورديِّ في سوريّا، يجدُ نفسَهُ أمامَ سؤالٍ مركزيٍّ لا يمكنُ القفزُ فوقَهُ: لماذا بقيَ الشَّعبُ الكورديُّ محرومًا، لعقودٍ طويلة من أبسطِ حقوقِه القوميَّةِ والوطنيَّة؟
لماذا لم تمتلكِ الحركةُ السِّياسيَّةُ الكورديَّةُ الجرأةَ الكافيةَ للاعترافِ بحجمِ إخفاقاتِها، ومراجعةِ مسارِها، والبحثِ عن سُبُلٍ أكثرَ فاعليَّةً لتحقيقِ الحدِّ الأدنى من طموحاتِ هذا الشَّعب؟
ويزدادُ هذا السُّؤالُ إلحاحًا حينَ نرى أنَّ الكوردَ، رغمَ ما تزخرُ به مناطقُهم من مواردَ طبيعيَّةٍ وثرواتٍ بشريَّة، ورغمَ ما تملكهُ من إمكاناتٍ اقتصاديَّةٍ مهمَّة، ظلّوا يعيشونَ في كثيرٍ من مراحلِهم أوضاعًا معيشيَّةً صعبة، ولا سيَّما خلالَ سنواتِ الثورةِ السُّوريَّةِ، والمرحلةِ التي تولَّتْ فيها قوى كورديةٌ إدارةَ مناطقَ واسعةٍ من شمالِ وشرقِ سوريّا.
فكيفَ يمكنُ تفسيرُ استمرارِ الفقرِ وتراجعِ الخدماتِ في مناطقَ تمتلكُ مقوِّماتٍ اقتصاديَّةً قادرةً على توفيرِ حياةٍ أفضلَ لسُكّانِها؟
إنَّهُ سؤالٌ مؤجَّلٌ منذُ عقود، ليسَ بسببِ صعوبتِه، بل بسببِ غيابِ الجرأةِ السياسيَّةِ في مواجهتِه.
لقد كانَ القمعُ الممنهجُ الذي مارسهُ النِّظامُ السُّوريُّ السَّابقُ، عبرَ أجهزتِه الأمنيَّةِ وسياساتِ الإقصاءِ والتهميش، أحدَ أبرزِ العواملِ التي أسهمتْ في إسكاتِ هذا السُّؤالِ وتأجيلِ مواجهتِه. كما لجأتْ بعضُ القوى السِّياسيَّةِ لاحقًا إلى تقديمِ ذرائعَ مختلفةٍ لتبريرِ عجزِها، مثلَ الحديثِ عن ضرورةِ تجنُّبِ الاقتتالِ الكورديِّ ـ الكورديِّ، أو انتظارِ وضوحِ المشهدِ السُّوريِّ، وهي مبرِّراتٌ لا تكفي لتفسيرِ غيابِ مشروعٍ سياسيٍّ واضحٍ يخدمُ مصالحَ الشَّعبِ الكورديِّ.
غيرَ أنَّ التفسيرَ الأعمقَ لهذا الواقعِ لا يرتبطُ فقط بالعواملِ الخارجيَّةِ أو بظروفِ القمعِ التاريخيِّ، بل يكمنُ أيضًا في طبيعةِ أداءِ الحركةِ السِّياسيَّةِ الكورديَّةِ في سوريّا، وفي قدرتِها المحدودةِ على بناءِ مشروعٍ وطنيٍّ جامعٍ يضعُ مصالحَ الشَّعبِ فوقَ الحساباتِ الحزبيَّةِ والآنيَّة.
فقد وجدتْ هذه الحركةُ، بمختلفِ تيَّاراتِها واتِّجاهاتِها، نفسَها في كثيرٍ من المراحلِ أسيرةَ تجاذباتٍ إقليميَّةٍ ودوليَّةٍ، ومتأثِّرةً بأجنداتٍ متعدِّدةٍ لم تكنْ دائمًا منسجمةً مع تطلُّعاتِ الكوردِ في سوريّا. ومع مرورِ الوقتِ، تراجعتْ قدرتُها على تقديمِ رؤيةٍ سياسيَّةٍ واضحةٍ، وانشغلتْ بالصِّراعاتِ الداخليَّةِ والانقساماتِ التنظيميَّةِ، حتّى تحوَّلتِ السَّاحةُ الكورديَّةُ إلى حالةٍ من التَّشرذمِ السياسيِّ الذي أضعفَ القضيَّةَ بدلَ أن يعزِّزَ حضورَها.
لقد كانتِ الحركةُ السِّياسيَّةُ الكورديَّةُ في بداياتِها أكثرَ تماسكًا ووضوحًا في طرحِ مطالبِها، رغمَ محدوديَّةِ إمكاناتِها والظُّروفِ الصَّعبةِ التي عملتْ فيها. أمَّا اليومَ، فقد أصبحتْ السَّاحةُ تعاني من كثرةِ الأحزابِ والقوى السياسيَّةِ التي لا تتناسبُ أعدادُها وتأثيرُها مع حجمِ المجتمعِ الكورديِّ وإمكاناتِه.
وبدلَ أن تكونَ هذه التعدُّديَّةُ مصدرَ غنىً سياسيٍّ وتنوُّعٍ فكريٍّ، تحوَّلتْ في كثيرٍ من الأحيانِ إلى انقسامٍ دائمٍ، حيثُ تتكرَّرُ شعاراتُ “وحدةِ الصَّفِّ” في الخطابِ الإعلاميِّ، بينما يبقى الواقعُ أسيرَ الخلافاتِ والتنافساتِ الضيِّقة.
ومن هنا يبرزُ السُّؤالُ الأكثرُ إلحاحًا: ماذا قدَّمتِ هذه الحركةُ، بمختلفِ أطرافِها وقياداتِها، للشَّعبِ الكورديِّ خلالَ العقودِ الماضية؟
إنَّ الإجابةَ عن هذا السُّؤالِ لا تهدفُ إلى إنكارِ التضحياتِ التي قدَّمها كثيرون، ولا إلى تجاهلِ الظروفِ القاسيةِ التي واجهها الكوردُ في سوريّا، بل تهدفُ إلى قراءةٍ نقديَّةٍ ضروريَّةٍ للفصلِ بينَ التضحياتِ الشعبيَّةِ من جهةٍ، والأداءِ السياسيِّ للقياداتِ من جهةٍ أخرى.
فحينَ نضعُ الخطابَ السياسيَّ أمامَ نتائجِه على الأرض، تظهرُ فجوةٌ واضحةٌ بينَ الشِّعاراتِ المرفوعةِ وبينَ الواقعِ المعيشيِّ للناس.
فقد استُنزفتْ طاقاتٌ بشريَّةٌ ومواردُ كبيرةٌ في مساراتٍ لم تؤدِّ إلى تحقيقِ الاستقرارِ أو بناءِ مؤسَّساتٍ مدنيَّةٍ قويَّة، بينما بقيَ المواطنُ الكورديُّ يواجهُ أزماتِ الحياةِ اليوميَّةِ وتحدِّياتِ المستقبل.
ويبقى السُّؤالُ مشروعًا: لماذا دُفعَ كثيرٌ من الشَّبابِ الكوردِ إلى ساحاتِ صراعٍ عسكريَّةٍ متعدِّدة، داخلَ مناطقِهم وخارجَها، في ظلِّ غيابِ مشروعٍ سياسيٍّ وطنيٍّ جامعٍ يحدِّدُ الأولويَّاتِ والغايات؟
كما يبقى السُّؤالُ قائمًا حولَ حجمِ المواردِ التي أُنفقتْ في المشاريعِ العسكريَّةِ والتحصيناتِ، مقابلَ ما كانَ يمكنُ تحقيقُهُ لو وُجِّهتْ نسبةٌ أكبرُ منها إلى التعليمِ، والصِّحَّةِ، والبنيةِ التحتيَّةِ، وتحسينِ ظروفِ حياةِ النَّاس.
إنَّ أخطرَ ما يواجهُ أيَّ مجتمعٍ ليسَ فقطَ فقدانَ المواردِ أو ضعفَ الإمكانات، بل فقدانَ القدرةِ على بناءِ الإنسانِ، لأنَّ الإنسانَ هوَ الثروةُ الحقيقيَّةُ التي تقومُ عليها الأمم.
ومن هنا فإنَّ التراجعَ الخطيرَ في مستوى التعليمِ في بعضِ المناطقِ الكورديَّةِ في سوريّا يشكِّلُ مصدرَ قلقٍ بالغٍ على مستقبلِ الأجيالِ القادمة. فإغلاقُ المدارسِ أو تعطيلُ دورِ المؤسَّساتِ التعليميَّةِ الرسميَّةِ، وفرضُ مناهجَ غيرِ مستقرةٍ، إضافةً إلى سياساتِ التجنيدِ الإجباريِّ التي طالتْ شريحةً واسعةً من الشَّبابِ، بل وصلتْ في بعضِ الحالاتِ إلى أعمارٍ صغيرة، كلُّ ذلكَ أدَّى إلى خلقِ حالةٍ من القلقِ الاجتماعيِّ والهجرةِ وفقدانِ الأمل.
إنَّ ضربَ التعليمِ واستنزافَ الطاقاتِ الشَّابَّةِ لا يعني فقطَ إضعافَ الحاضرِ، بل يعني أيضًا تعطيلَ المستقبلِ. فالمجتمعُ الذي لا يملكُ نظامًا تعليميًّا مستقرًّا، ولا يوفِّرُ لأبنائِه فرصَ البناءِ والتطوُّر، يصبحُ أكثرَ هشاشةً، وأقلَّ قدرةً على حمايةِ هويَّتِه وصناعةِ مشروعِه الوطنيِّ.
وفوقَ ذلكَ كلِّه، تكمنُ مشكلةٌ أخرى في تحويلِ القضيَّةِ الكورديَّةِ، في بعضِ المراحلِ، إلى أداةٍ للصِّراعِ السياسيِّ وتثبيتِ النفوذ، بدلَ أن تبقى مشروعًا مرتبطًا بحقوقِ النَّاسِ وكرامتِهم ومستقبلِهم.
فحينَ تتحوَّلُ القضايا الوطنيَّةُ إلى وسائلَ لتبريرِ استمرارِ السُّلطةِ أو حمايةِ المصالحِ الحزبيَّةِ الضيِّقة، يفقدُ المجتمعُ الثقةَ بمَن يرفعونَ تلكَ الشِّعارات، وتصبحُ القضيَّةُ نفسها عُرضةً للاستنزافِ والتوظيف.
وهكذا يجدُ الشَّعبُ نفسَهُ أمامَ معادلةٍ مؤلمة: يُستنزَفُ مرَّةً بسببَ سياساتِ الإقصاءِ والقمعِ التي عاشها تاريخيًّا، ويُستنزَفُ مرَّةً أخرى حينَ تُدارُ قضيَّتُهُ من خلالِ حساباتٍ لا تضعُ الإنسانَ في مركزِ الاهتمام.
وأمامَ هذا الواقعِ، يفرضُ التاريخُ سؤالَهُ القاسي: هل آنَ الأوانُ لمراجعةٍ حقيقيَّةٍ وشجاعةٍ للأخطاءِ المتراكمة؟ أم سيبقى تكرارُ التجاربِ الفاشلةِ هوَ الطريقَ الذي يُعادُ إنتاجُهُ تحتَ عناوينَ مختلفة؟
إنَّ القضيَّةَ الكورديَّةَ في سوريّا لم تكنْ يومًا قضيَّةَ مواردَ فقط، ولا قضيَّةَ شعاراتٍ تُرفعُ في المناسبات، بل هيَ قبلَ كلِّ شيءٍ قضيَّةُ إنسانٍ وحقوقٍ وكرامةٍ ومستقبل.
وإنَّ إنقاذَ هذه القضيَّةِ لا يبدأُ بإنكارِ الأخطاءِ أو الهروبِ من مسؤوليةِ النقد، بل يبدأُ بالاعترافِ بها، وبناءِ حركةٍ سياسيَّةٍ جديدةٍ أكثرَ نضجًا ووضوحًا، تضعُ مصالحَ الشَّعبِ فوقَ المصالحِ الحزبيَّة، وتستعيدُ ثقةَ النَّاسِ من خلالِ العملِ والإنجازِ لا من خلالِ الشِّعارات.
فالشُّعوبُ لا تُقاسُ فقطَ بعددِ سنواتِ معاناتِها، بل بقدرتِها على تحويلِ الألمِ إلى وعيٍ، والهزائمِ إلى دروسٍ، والتجاربِ المريرةِ إلى بدايةِ طريقٍ جديد.