فينوس بابان
في المنعطفات التاريخية الحاسمة التي تمر بها المنطقة، لا تبحث الدول والكيانات عن مجرد تفاهمات عابرة بل عن مرجعيات سيادية قادرة على لجم العواصف ورسم مسارات الأمان، من هنا تتجه الأنظار دائماً صوب أربيل، ليس فقط بصفتها العاصمة الإدارية لإقليم كوردستان بل لكونها حجر الزاوية في معادلة التوازن الوطني والصوت الذي يترفع عن التجاذبات الحزبية الضيقة ليخاطب المصلحة القومية العليا.
تأتي التصريحات الأخيرة لرئيس ديوان رئاسة إقليمكوردستان السيد فوزي هريري، لتضع النقاط على الحروف في توقيت سياسي بالغ الحساسية، إن هذه المواقف لا تمثل مجرد تعليق إداري أو بروتوكولي بل هي تجسيد دقيق للرؤية الاستراتيجية والدبلوماسية الهادئة التي يقودها رئيس إقليمكوردستان نيجيرفان بارزاني، لترسيخ وحدة الصف وحماية الكيان الدستوري للإقليم أمام كافة التحديات المحيطة.
أربيل.. كمرجعية سيادية وصمام أمان
لقد أثبتت التجربة السياسية أن قوة أربيل وشرعيتها الدستورية لا تُستمدان من لغة الإملاءات بل من فلسفة الاحتواء والمسؤولية، رئاسة الإقليم بوقوفها على مسافة واحدة من جميع الفرقاء تعيد صياغة مفهوم القيادة الوطنية،فالقدرة على فتح الأبواب للجميع هي سمة القوي الواثق الذي يدرك أن استقرار كوردستان يبدأ من وحدة كلمتها.
من هذا المنطلق تتقدم أربيل كمظلة جامعة تؤمن بأن الاختلاف السياسي داخل البيت الكوردستاني يجب أن يدار بأدوات دستورية ومؤسساتية بعيداً عن منطق القطيعة والانسداد.
تفكيك رسائل رئيس الديوان رئاسة إقليم كوردستان دبلوماسية الحرص والمسؤولية
حملت كلمات رئيس ديوان الرئاسة رسائل سياسية بليغة وذكية تضع القوى السياسية أمام مسؤولياتها التاريخية عبر ثلاثة أبعاد رئيسية:
فلسفة الباب المفتوح (منطق القادر والضامن)
تأكيد الرئاسة على أن أبوابها مفتوحة أمام أي مبادرة يعكس مرونة سياسية عالية وثقة مطلقة بالدور الريادي لأربيل، الرئاسة هنا لا تنتظر تفاهمات خارجية لتبني عليهابل تعلن جاهزيتها لتكون الحاضن والضامن الأساسي لأي اتفاق وطني مما يمنح أي حوار قادم غطاءً شرعياً ثابتاً يطمئن الشارع والشركاء الدوليين على حد سواء.
العتاب الأبوي وجرأة التشخيص
إن التساؤل الصريح.. لماذا لا تتقدم الأطراف السياسية للحوار؟ يمثل جوهر الدبلوماسية المباشرة هذا العتاب لا يحمل طابعاً اتهامياً أو هجومياً بل هو صرخة الحريص على الوقت والفرص المهدورة، هي دعوة شجاعة لتجاوز الشكليات والبروتوكولات والولوج مباشرة إلى عمق الملفات الجوهرية بوضوح وصراحة تضع حداً لسياسة المماطلة.
التحفيز الإيجابي ودعم الخطوات الجدية
عبر الإشادة بالخطوات الأولية الصادرة عن الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستانيتمارس الرئاسة دوراً ذكياً في دفع الأطراف نحو الأمام،تسليط الضوء على الجدية يحرج أي محاولة للتراجع ويرسم مساراً إيجابياً يحوّل بوصلة التنافس من مربع السجال الإعلامي إلى طاولة العمل السياسي المثمر.
تحصين البيت الداخلي أمام التحديات الاتحادية
لا يمكن قراءة دعوة أربيل بمعزل عن السياق الجيوسياسي المعقد الذي يحيط بالإقليم، إن تماسك الجبهة الداخلية في كوردستان ليس ترفاً سياسياً بل هو الدرع الاستراتيجي الأساسي لحماية الخصوصية الدستورية للإقليم وتثبيت حقوقه واستحقاقاته المالية والنفطية في بغداد وأمام المحكمة الاتحادية.
تدرك الرئاسة بعمق أن أي تراجع في وحدة الموقف السياسي أو أي مساس بـالمؤسسات الرسمية والدفاعية كقوات البيشمركة سيضعف أوراق إقليم كوردستانالتفاوضية، لذا فإن الوحدة تحت مظلة أربيل هي الضمانة الوحيدة لفرض توازن حقيقي يحمي كيان الإقليم الفيدرالي وسيادته.
الاستجابة لنداء المستقبل
إن الخلاصة التي يفرضها الواقع اليوم هي أن قوة أربيل هي قوة لكامل إقليم كوردستان وأن رص الصفوف ليس خياراً ثانوياً بل هو قدر وجودي.
لقد أدت رئاسة إقليم كوردستان دورها التاريخي بامتياز، فتحت الأبواب، شخصت مكامن الخلل بجرأة وقدمت الضمانات السياسية والدستورية لرعاية الحل، واليوم تقف القوى السياسية كافة أمام مسؤوليتها الوطنية الكبرى.. فالاستجابة لنداء أربيل والالتفاف حول مظلتها الشرعية ليس تنازلاً لطرف على حساب آخر بل هو انحياز كامل لسيادة كوردستان واستقرار عيش مواطنيها وحفظ مكانتها التاريخية كواحة للأمن والتعايش المشترك.