من يداوي نظاماً يحتاج إلى علاج!

مصطفى طارق الدليمي

في عام 1948 افتتحت بريطانيا نظامها الصحي الوطني وكان البلد يخرج لتوه من حرب أنهكت اقتصاده وأثقلت كاهله بالديون ورغم ذلك رأت الحكومة أن أول ما يستحق الاستثمار هو الإنسان وأن المستشفى ليس مبنىً تُجرى فيه العمليات الجراحية وإنما مؤسسة تمنح المواطن شعوراً بأن دولته تقف إلى جانبه في أصعب لحظات حياته ومنذ ذلك الوقت صار مستوى الخدمات الصحية معياراً يُقاس به نجاح الحكومات قبل أن يُقاس بحجم الموازنات أو عدد المشاريع.

في العراق تبدو الصورة مختلفة فالمريض الذي يقصد المستشفى الحكومي يحمل معه هموماً كثيرة قبل أن يبدأ الطبيب بتشخيص حالته أول ما يشغله العثور على سرير ثم البحث عن دواء ثم الاطمئنان إلى أن الجهاز المطلوب للفحص يعمل رحلة العلاج تبدأ بالقلق وكثيراً ما تستمر به حتى نهايتها حتى أصبح الخوف من المستشفى جزءاً من أحاديث الناس اليومية يكفي المرور في ردهات أي مستشفى حكومي حتى تتضح ملامح الأزمة ممرات مزدحمة أطباء يجرون فحص لعشرات المراجعين ممرضون يعملون تحت ضغط يفوق طاقتهم وأسر تنتقل بين الصيدليات بحثاً عن أدوية كان يفترض أن تجدها داخل المستشفى هذه المشاهد لا تعبر عن تقصير الأطباء أو الممرضين بقدر ما تعكس خللًا تراكم عبر سنوات طويلة من غياب التخطيط وضعف الإدارة.

القضية ليست في نقص المال وحده فالعراق أنفق خلال السنوات الماضية مبالغ كبيرة على القطاع الصحي وشهد افتتاح مستشفيات جديدة والتعاقد على أجهزة حديثة لكن المواطن ما زال يبحث عن خدمة مستقرة هنا تظهر المشكلة الحقيقية فالإدارة هي التي تمنح الموارد قيمتها وهي التي تحول الأموال إلى خدمات يشعر بها الناس أما عندما تغيب الرؤية فإن أكثر المشاريع كلفة قد تفقد أثرها
تجارب الدول تؤكد هذه الحقيقة.

سنغافورة لم تصبح واحدة من أفضل الأنظمة الصحية في العالم لأنها الأكثر إنفاقاً وإنما لأنها جعلت الإدارة الدقيقة أساس الإصلاح كل خدمة تُقاس وكل معلومة تُوثق وكل قرار يستند إلى بيانات واضحة وتركيا سلكت طريقًا مشابهًا عندما ربطت تطوير المستشفيات بإصلاح إداري شامل فاختصرت إجراءات المراجعين ووسعت الخدمات الرقمية ورفعت كفاءة المؤسسات الصحية بصورة لفتت أنظار كثير من الدول.

هذه التجارب لا تصلح للنسخ الحرفي لكنها تقدم درسًا واضحاً نجاح المستشفى يبدأ من الإدارة قبل الإسمنت ومن التخطيط قبل الأجهزة فالمنظومة الصحية شبكة مترابطة وإذا ضعفت إحدى حلقاتها انعكس الخلل على المريض مباشرة أما الطبيب العراقي فقد أثبت كفاءته في مستشفيات عربية وعالمية وتولى كثير منهم مواقع علمية ومهنية مرموقة خارج البلاد وهذا وحده يكفي للدلالة على أن الأزمة ليست أزمة كفاءات وإنما أزمة بيئة عمل الطبيب يحتاج إلى إدارة تحميه وتجهيزات تساعده ونظام يمنحه القدرة على أداء واجبه وعندما يفقد هذه العناصر يصبح هو الآخر ضحية للمنظومة تماماً كما هو المريض.

ولا يمكن الحديث عن إصلاح القطاع الصحي من دون مواجهة الفساد الإداري والمالي الذي استنزف سنوات طويلة من عمر هذا القطاع فالمستشفى لا يتعثر بسبب قلة الأطباء فقط وإنما بسبب مشروع يتأخر أو جهاز يُشترى من دون حاجة أو عقد يُمنح على أساس النفوذ لا الكفاءة وفي كل مرة يحدث ذلك يكون المريض هو من يدفع الثمن.

الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإعلان مشروع جديد وإنما بمراجعة طريقة إدارة المشاريع القائمة واعتماد أنظمة رقمية تقلل الهدر وتفعيل الرقابة وربط المسؤولية بالنتائج فالمواطن لا يعنيه حجم الموازنة بقدر ما يعنيه أن يجد علاجًا لائقًا حين يحتاج إليه.

المستشفى الحكومي هو أكثر المؤسسات التصاقاً بحياة الناس فيه يولد الأطفال وعلى أسرّته يواجه المرضى أصعب أيامهم ومن داخله تتشكل صورة الدولة في ذهن المواطن فإذا شعر الإنسان بأن كرامته مصونة وأن الخدمة تقدم بعدالة واحترام استعاد جزءًا من ثقته بمؤسسات بلده أما إذا خرج محملًا بخيبة جديدة فلن يكون قد فقد ثقته بالمستشفى وحده وإنما بالدولة التي تديره.

العراق اليوم لا يحتاج إلى سباق في عدد الأبنية وإنما إلى إدارة تجعل كل مستشفى قائم قادراً على أداء رسالته فالمباني يمكن تشييدها خلال أشهر أما المؤسسة الناجحة فتحتاج إلى رؤية، وكفاءة ومحاسبة وإيمان بأن صحة الإنسان ليست بنداً في الموازنة انما هي المعيار الحقيقي لنجاح الدول.

قد يعجبك ايضا