العشائر افقدت المؤسسات الحكومية بوصلتها الإدارية

ا.د.محمد بهجت ثامر

تعد العشيرة وحدة اجتماعية متماسكة تمتاز بوجود أعراف وتقاليد مشتركة، وتوفر الحماية والتضامن لأفرادها ، اذ كانت العشائر العراقية في العهد العثماني وحدة قتالية يقودها الشيخ للدفاع عن كرامتها بمقاتلة العشائر الأخرى أو ضد الحكومة عندما تشرع قوانين جائره أو تطلب منهم رسوم وضرائب مجحفه. وبعد الاحتلال البريطاني عام 1917 وحتى عام 1958تحولت العشيرة إلى مؤسسة اقتصادية يجني الشيخ أرباحها ويعيش الفلاحين فيها حياة غاية في القساوة ،ثم تقلص دورها بعد عام 1958إلا ان في التسعينيات عاد دور العشائر وبقوة ، وفي الحقيقة ان العشائر العراقية على مدى تاريخها تعد جزءً من تركيبة المجتمع وتظهر عندما تضعف سلطة الدولة ويتلاشى تأثيرها بنفوذ الدولة فهي عصية الكسر لكل من يخالفها، وسبّاقه في مقاومة الظلم، لكن وهذه اللاكن تحتها خطين في العراق اذ تواجه المؤسسات الحكومية تحدياً بنيوياً خطيراً جداً وحساساً ، وهو تداخل النفوذ العشائري مع هيكل المؤسسات الحكومية الأمر الذي يضعف مبدأ “دولة المؤسسات”. اذ إن سيطرة الولاءات الفرعية على حساب الكفاءة وسيادة القانون تعطل الأداء الإداري وتُفرز بيئة حاضنة للفساد والمحسوبية داخل أجهزة الدولة. ذات يوم كنت جالس قرب رئيس القسم فدخل طالب وكان الانفعال واضح في وجهه ليسأل رئيس القسم عن (دكتوره فلانه وين تسكن) فأجابه وما شأنك انت ? فقال “جبيرنا يريد يجي على جبيرهم” لم يكن رئيس القسم ملماً بتفاصيل العشائر ففسرت له من المقصود “بجبيرنا” وهو مصطلح محلي عراقي يُشير إلى الرجل الأكبر سناً أو الشخصية المرجعية داخل العشيرة ويتمتع بمكانة اجتماعية وقيادية تطوعية بارزة، حيث يلجأ إليه أبناء العشيرة لفض النزاعات وتنظيم الأمور الاجتماعية وتمثيل العشيرة في المناسبات والمضايف. وهناك الكثير من هذه الممارسات في كافة المؤسسات الحكومية ، في حين المفروض الخدمة المدنية هي نواة المؤسسات الحكومية بعيدا عن التعصب القبلي ، لذا يجب محاسبة و مساءلة لمن يتخطون برتكولات العمل العام وإدخالها الي قوالب غير مناسبة يمكن أن تفرز منها اشكاليات مجتمعية اذ ان القبول باستمرار هذه الممارسات، دون مساءلة جادة، يفضي الى تحويل مؤسسات الحكومة الى ساحة صراع ولاءات عشائرية ، لا مؤسسات ذات سيادة مستقلة. وهو ما يهدد مبدا المساواة بين المواطنين، ويضعف الثقة بالدستور ذاته بوصفه عقدا جامعاً بين المواطنين كافة.

قد يعجبك ايضا