رمزي ميركاني
في هذا المقال، لا أسعى إلى انتقاد أحداث 14 تموز، ولا المبالغة في الثناء عليها؛ أي أنني لا أدافع عنها ولا أدينها، بل سأقوم بجولة في أحداثها التي يصفها البعض بـ”الثورة” والبعض الآخر بـ”الانقلاب”. والهدف هو توضيح ما إذا كانت مجرد انقلاب عسكري أدى إلى تغيير في بعض الشخصيات الحاكمة، أم أنها كانت حدثاً سياسياً واجتماعياً شاملاً ترك أثره على كافة جوانب الحياة في العراق؟
بين مصطلحي “الانقلاب” و”الثورة”، توجد عدة مصطلحات سياسية تُستخدم أحياناً بشكل دقيق وأحياناً أخرى بشكل اعتباطي. فعلى سبيل المثال، إذا تحدث شخص ما بإيجابية عن الموضوع، فإنه يسميه “ثورة” ويصف القائمين به بـ”الثوار”. أما الشخص الذي يعارض الحدث ويتحدث عنه بسلبية، فإنه يسميه “انقلاباً”، أو “مؤامرة”، أو “تمرداً”، ويطلق على المنفذين تسميات مختلفة مثل منشقين أو متمردين أو مرتزقة.
للانقلاب عدة تعريفات، منها: أنه الاستيلاء على السلطة وإزاحة الحكومة من قبل مجموعة سياسية، أو قوة متمردة، أو ديكتاتور بطريقة غير قانونية. ويُعتبر الانقلابيون ناجحين إذا تمكنوا من الإمساك بزمام السلطة لمدة أسبوع. كما يُعرَّف بأنه التغيير المفاجئ والسريع للقيادة في السلطة. وخير مثال في العراق هو انقلاب بكر صدقي عام 1936، وانقلاب عبد السلام عارف عام 1963، وانقلابات 17-30 تموز 1968. وللانقلاب أنواع عدة مثل: الانقلاب العسكري، الانقلاب الدستوري، وانقلاب القصر.
أما الثورة، فهي تغيير جذري ومباشر في السلطة السياسية، يحدث غالباً نتيجة تمرد جماهيري ضد السلطة بسبب القمع أو العجز. وتحدث الثورة في ظروف وأشكال ودوافع سياسية متنوعة، وفي معظم الأحيان، يقترن ذلك بتغيير أساسي في المجالين الاجتماعي والسياسي، كرد فعل على المعاناة تحت الحكم المطلق.
قبل 14 تموز، أي في العهد الملكي، كانت الأوضاع السياسية في العراق خاضعة لنفوذ القوات البريطانية وهيمنة نوري السعيد والوصي عبد الإله. وفي عام 1955، انضم العراق إلى “حلف بغداد”، وكان البرلمان بيد أطراف محددة، بينما كانت الحريات السياسية محدودة ومقتصرة على بعض الأحزاب المعتدلة مثل حزب الاستقلال والحزب الوطني الديمقراطي وبعض الأحزاب اليسارية، وكان للحزب الشيوعي دور بارز في النشاط السياسي المعارض للسلطة. وقد وصلت الأحزاب المعارضة العراقية إلى ذروة نشاطها بتشكيل “جبهة الاتحاد الوطني” عام 1957، وكان لها ارتباط بتنظيم “الضباط الأحرار”.
أما الوضع الاقتصادي، فكان يرزح تحت هيمنة الشركات البريطانية التي تسيطر على الموارد النفطية، وكانت العملة العراقية تابعة للجنيه الإسترليني. وكان الاقتصاد الزراعي يخضع لنفوذ الإقطاع وكبار الملاك. وكانت النقطة الإيجابية في تلك الفترة هي شروع “مجلس الإعمار” بخطة واسعة لمشاريع البنية التحتية مثل سد الثرثار وبحيرة الحبانية ومشروع المسيب الكبير.
لم يتوقف حدث 14 تموز عند تغيير الهيكل السياسي العام من النظام الملكي الدستوري إلى النظام الجمهوري فحسب، بل استحدث العديد من القوانين والأنظمة والبرامج لإحداث تغيير جذري في الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومنها: إعلان دستور مؤقت نص على أن “العرب والكورد شركاء في هذا الوطن”، وإصدار قانون الإصلاح الزراعي، وإلغاء قانون العشائر وقانون تسوية الأراضي، والعفو عن السجناء والمنفيين السياسيين والكورد البارزانيين، وإصدار قانون الأحوال الشخصية لرفع الظلم عن المرأة، وإكمال العديد من مشاريع الإعمار، وإعادة تنظيم الجيش، وتأسيس النواة الصناعية للعراق، وبناء مساكن للضباط وموظفي الدولة، وتأسيس النقابات المهنية، والخروج من حلف بغداد وإخراج الإنجليز من قاعدتي الحبانية والشعيبة، وإصدار قانون محو الأمية، وإقرار التعليم الإلزامي وتوفير التعليم المجاني من المرحلة الابتدائية حتى الجامعة، وقانون تنظيم حياة الأحزاب السياسية، وغيرها الكثير.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن 14 تموز كان “ثورة” و”انقلاباً” في آن واحد؛ لأنه حمل في طياته خصائص وسمات الاثنين معاً.