الاحتفاء بالأوائل والوجه الآخر الذي لا نراه

د. تزرين يعقوب سولا

مع كل إعلان لنتائج الامتحانات، يتكرر المشهد ذاته؛ كاميرات، مقابلات، عناوين عريضة، وبرامج خاصة لا تتحدث إلا عن “الأول”. وكأن آلاف الطلبة الآخرين لم ينجحوا، ولم يسهروا، ولم يبذلوا من الجهد ما يستحق كلمة تقدير.

لا أحد يعترض على تكريم المتفوقين، فالتفوق ثمرة الاجتهاد والمثابرة، ومن حق أصحابه أن يُحتفى بهم. لكن الاعتراض يبدأ عندما يتحول التفوق إلى سباق إعلامي، ويُختزل النجاح في عدد محدود من الأسماء، حتى يصبح الطالب الذي حصل على (98) أو (95) أو (90) وحتى كل ناجح وكأنه لم يحقق شيئاً يُذكر.

والأشد خطورة، تلك المقابلات مع ذوي الأوائل، حين يتباهى البعض بأنه لم يغادر منزله طوال الامتحانات، ولم يستقبل ضيفًا طوال السنة، ووفّر مدرسين خصوصيين لكل المواد. وكأن هذا هو النموذج الوحيد للأسرة الصالحة، ومن لم يفعلها فقد قصّر في حق أبنائه.

ما هكذا تُورد الإبل، يا سادة

فالتربية ليست حالة طارئة تستمر عامًا كاملا من العزلة والضغط النفسي، وليست إلغاءً للحياة من أجل معدل. التربية السليمة تبدأ منذ الصغر، ببناء شخصية متوازنة، وحب التعلم، والثقة بالنفس وغرس الانضباط، وترك الطفل ينمو في بيئة صحية ومتوازنة لا بصناعة طالب مرهق يحقق تفوقًا قد يكون ثمنه صحته النفسية.

كم من طالب عاد إلى منزله ناجحاً، لكنه لم يشعر بفرحة النجاح لأن الشاشات أوحت له بأنه لم يكن كافياً. وكم من أسرة استقبلت أبناءها بشيء من خيبة الأمل، لا لأنهم رسبوا، بل لأنهم لم يكونوا “الأوائل”. وهكذا يتحول الإعلام، من حيث لا يشعر، إلى صانع لضغوط نفسية ومقارنات مؤذية بين الطلبة.

لقد أحسنت وزارة التربية حين امتنعت عن إقامة مراسم خاصة بالأوائل، في خطوة تربوية ناضجة تهدف الى تخفيف ثقافة التنافس المرهق واعادة الاعتبار لكل طالب اجتهد ونجح. ولكن مسؤوليتها، بوصفها الجهة المسؤولة عن رسم السياسة التربوية يجب ان لا تقف عند هذا الحد.

فمن واجبها أن تضع ضوابط واضحة للتغطيات الإعلامية المتعلقة بالامتحانات والنتائج، وأن تنسق مع القنوات الرسمية ووسائل الإعلام لتقديم خطاب تربوي متوازن، يحتفي بجميع الناجحين دون أن يحوّل بعضهم إلى نجوم ويترك الآخرين أسرى المقارنات والإحباط. فالإعلام، حين يتعلق بالتربية، ليس مساحة مفتوحة للاستعراض، بل شريك في صناعة وعي الأجيال، ومسؤوليته لا تقل أهمية عن مسؤولية المدرسة والأسرة.

قد يعجبك ايضا