جواد علي.. المؤرخ الذي أعاد اكتشاف العرب قبل الإسلام

محمد علي محيي الدين

حين يُذكر تاريخ العرب القديم في الدراسات العربية الحديثة، يبرز اسم الدكتور جواد علي بوصفه واحداً من أبرز المؤرخين الذين كرسوا حياتهم للكشف عن الجذور العميقة للحضارة العربية، وأعادوا قراءة ماضي الأمة بمنهج علمي صارم بعيد عن التعصب والأهواء. فقد كان مشروعه الفكري والعلمي من أضخم المشروعات التي أنجزها باحث عربي في القرن العشرين، حتى غدا اسمه مرادفاً للدراسة الرصينة والتوثيق الدقيق والبحث الذي لا يكتفي بالموروث الشائع، بل يعود إلى المصادر الأصلية والوثائق والشواهد المادية ليستخلص منها صورة أقرب إلى الحقيقة التاريخية.

ولد جواد محمد علي العقيلي في مدينة الكاظمية ببغداد سنة 1907، في بيئة عراقية أصيلة عاشت تحولات سياسية وفكرية كبيرة خلال العقود الأولى من القرن العشرين. ومنذ سنواته المبكرة أظهر ميلاً واضحاً إلى المعرفة والقراءة، فتابع دراسته في مدارس بغداد، ثم انتقل إلى الثانوية المركزية، التي كانت آنذاك المدرسة الثانوية الوحيدة في العاصمة. وهناك التقى بالأستاذ اللغوي الكبير محمد بهجة الأثري، الذي ترك أثراً عميقاً في تكوينه العلمي والثقافي، وظل جواد علي يذكر فضله بإجلال في مقدمات كتبه وأبحاثه، ويعده أحد أبرز المؤثرين في مسيرته الفكرية.

واصل دراسته في كلية الإمام الأعظم بأعظمية بغداد، ثم انتقل إلى دار المعلمين العالية التي أصبحت فيما بعد كلية التربية، وتخرج فيها عام 1931. وفي تلك المرحلة بدأ اهتمامه يتجه نحو التاريخ والحضارة العربية والإسلامية، فجمع بين المعرفة اللغوية والاطلاع الواسع على المصادر التراثية، وهو ما هيأه لاحقاً ليصبح أحد كبار المؤرخين العرب.

بعد تخرجه عمل مدرساً في المدارس الثانوية، غير أن نبوغه العلمي دفع المسؤولين إلى ترشيحه ضمن بعثة دراسية إلى ألمانيا، وكانت تلك الخطوة نقطة تحول كبرى في حياته. ففي جامعة هامبورغ العريقة درس التاريخ الإسلامي وفق المناهج الأكاديمية الحديثة، وتعرف إلى المدارس الأوروبية في البحث التاريخي والنقد العلمي. وهناك أنجز أطروحته للدكتوراه الموسومة «المهدي وسفراؤه الأربعة»، التي كتبها باللغة الألمانية ونال بها درجة الدكتوراه عام 1939، ليكون من أوائل العراقيين الذين حصلوا على هذه الدرجة الرفيعة من الجامعات الألمانية.

عاد إلى العراق في فترة مضطربة من تاريخه السياسي، إذ تزامنت عودته مع أحداث ثورة مايس سنة 1941 والحرب العراقية البريطانية. وقد انخرط في تلك الحركة الوطنية، شأنه شأن كثير من المثقفين العراقيين الذين كانوا يتطلعون إلى استقلال بلادهم الكامل. وبعد إخفاق الثورة تعرض للاعتقال في معتقل الفاو، قبل أن يطلق سراحه ويعود إلى ميدان العمل الثقافي والتربوي.

لم تضع تلك التجربة من عزيمته شيئاً، بل زادته إصراراً على خدمة العلم والثقافة. فاختير أميناً لسر لجنة التأليف والترجمة والنشر، التي كانت من أهم المؤسسات الثقافية في العراق، والتي تحولت لاحقاً إلى نواة المجمع العلمي العراقي. ومن خلال هذا الموقع شارك في إثراء الحياة الفكرية العراقية، وأسهم في تشجيع حركة التأليف والترجمة والنشر العلمي.

وفي عام 1956 أصبح عضواً عاملاً في المجمع العلمي العراقي، ثم توسعت عضوياته لتشمل عدداً من المجامع والمؤسسات العلمية العربية والعالمية. فقد انتخب عضواً في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ومجمع اللغة العربية بدمشق، والمجمع الملكي الأردني، ومؤسسات علمية غربية مرموقة، الأمر الذي يعكس المكانة الرفيعة التي بلغها في الأوساط الأكاديمية.

أما حياته الجامعية فكانت حافلة بالعطاء. فقد عمل أستاذاً في قسم التاريخ بكلية التربية في جامعة بغداد منذ خمسينيات القرن الماضي، وتدرج في السلك الأكاديمي من مدرس إلى أستاذ مساعد ثم أستاذ، حتى أصبح واحداً من أبرز أعلام الجامعة العراقية. كما عمل أستاذاً زائراً في جامعة هارفارد الأمريكية عام 1957، وهو إنجاز أكاديمي مهم يؤكد الاعتراف الدولي بمكانته العلمية. وبعد تقاعده عام 1972 منحته جامعة بغداد لقب «أستاذ متمرس»، وهو أعلى لقب أكاديمي يمنح للعالم الذي قدم إسهامات استثنائية في مجال تخصصه.

وقد تميز جواد علي بثقافة واسعة وقدرة نادرة على التعامل مع المصادر بلغاتها الأصلية، إذ أتقن العربية والإنكليزية والألمانية، الأمر الذي مكنه من الإفادة من الدراسات الشرقية والغربية معاً، وأتاح له الاطلاع على النقوش والوثائق والبحوث الحديثة التي كانت بعيدة عن متناول كثير من الباحثين العرب في عصره.

وعلى الصعيد الإنساني، عاش حياة أسرية مستقرة مع زوجته السيدة زهرة طاهر محمد عارف العبيدي التي رافقته منذ عودته من ألمانيا، وشاركت معه سنوات البحث والترحال العلمي. وقد حرص على أن تكون أسرته جزءاً من حياته العلمية، فاصطحب أبناءه معه في رحلاته الأكاديمية إلى الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث أكملوا دراساتهم العليا وأصبحوا بدورهم أصحاب تخصصات علمية مرموقة.

غير أن القيمة الكبرى لجواد علي لا تكمن في المناصب التي تقلدها، بل في المنهج الذي أسسه في كتابة التاريخ. فقد كان من المؤمنين بمدرسة المؤرخ الألماني ليوبولد فون رانكه، التي تقوم على إعادة بناء الحدث التاريخي كما وقع فعلاً، بعيداً عن الأساطير والانحيازات والأحكام المسبقة. ولذلك دعا إلى العودة إلى المصادر الأصلية وتمحيص الروايات ومقارنتها وعدم التسليم بأي خبر قبل إخضاعه للنقد والتحليل.

وكان يرى أن المؤرخ الحقيقي ينبغي أن يتحرر من العصبيات المذهبية والسياسية، وأن ينظر إلى الماضي بعين الباحث لا بعين المدافع أو الخصم. وكان يرفض توظيف التاريخ لخدمة الأيديولوجيات أو السلطات السياسية، ويعد ذلك من أخطر ما يصيب المعرفة التاريخية. كما أكد أن التاريخ ليس سجلاً للملوك والحروب فحسب، بل هو أيضاً تاريخ المجتمع والاقتصاد والثقافة والعلم والعادات والحياة اليومية للناس.

ومن أبرز آرائه أن العرب يمتلكون تراثاً حضارياً غنياً لا يحتاج إلى المبالغات والأساطير لإثبات قيمته، وأن قوة التاريخ تكمن في صدقه لا في زخرفته. لذلك ظل يدعو إلى قراءة الماضي قراءة نقدية متوازنة، وإلى إعادة النظر في كثير من الروايات الشائعة وفق المعايير العلمية الحديثة.

وقد تجسد هذا المنهج في مؤلفاته التي أصبحت علامات بارزة في المكتبة العربية. فمنذ كتابه المبكر «التاريخ العام» إلى دراسته «أصنام العرب»، مروراً بكتابه «تاريخ العرب في الإسلام» و«تاريخ الصلاة في الإسلام»، وصولاً إلى عمله الموسوعي الضخم «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام»، ظل مشروعه الفكري يدور حول فهم الإنسان العربي وحضارته وتاريخه فهماً علمياً شاملاً.

ويُعد كتاب «المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام» ذروة إنجازه العلمي وأحد أعظم ما أُلف في التاريخ العربي الحديث. فقد أمضى سنوات طويلة في جمع مادته من النقوش والآثار والوثائق والمصادر العربية والأجنبية، ليقدم صورة موسوعية متكاملة عن حياة العرب قبل الإسلام في مختلف جوانبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية والثقافية. ولم يكن هذا العمل مجرد كتاب تاريخي، بل مشروعاً حضارياً متكاملاً أعاد رسم صورة العرب القديمة على أسس علمية راسخة.

كما أنجز موسوعة «تاريخ العرب قبل الإسلام» في عدة مجلدات، وألف عشرات الدراسات والبحوث المتخصصة، من بينها بحوثه الشهيرة عن مصادر الطبري، ودراساته في النقوش العربية القديمة، فضلاً عن كتابه غير المنشور «معجم ألفاظ المسند» الذي يكشف عن اهتمامه العميق باللغات واللهجات العربية القديمة.

نال خلال حياته العديد من الأوسمة والتكريمات، منها وسام الرافدين من الدرجة الأولى، ووسام المؤرخ العربي، ووسام المعارف اللبناني، إضافة إلى مشاركاته الواسعة في المؤتمرات الدولية ومؤتمرات المستشرقين في أوروبا. وكان حضوره العلمي يحظى بالاحترام في الأوساط العربية والغربية على السواء.

وفي السادس والعشرين من أيلول عام 1987 أسدل الستار على حياة حافلة بالعطاء حين رحل بعد صراع مع المرض. غير أن رحيله لم يكن نهاية حضوره، فكتبه ما زالت مراجع لا غنى عنها للباحثين، وأفكاره ما تزال حاضرة في مناهج البحث التاريخي، ومنهجه العلمي لا يزال مثالاً يحتذى لكل من يسعى إلى كتابة التاريخ بعيداً عن التعصب والانفعال.

لقد كان جواد علي أكثر من مؤرخ؛ كان مشروعاً فكرياً متكاملاً، ورائداً من رواد المدرسة التاريخية العربية الحديثة، وعالماً آمن بأن الحقيقة التاريخية تستحق سنوات العمر كلها. ولهذا بقي اسمه محفوراً في ذاكرة الثقافة العربية بوصفه أحد أعلامها الكبار، وأحد أكثر الباحثين إخلاصاً للعلم والحقيقة في العصر الحديث.

قد يعجبك ايضا