عطا شميراني
لأول مرة وصلت إلى بغداد بعد أسابيع من سقوط النظام البعثي عام 2004. كنت يومها صحفيًا ومراسلًا لإحدى القنوات الإخبارية العالمية، وجئت إلى مدينة كانت تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا. لم تكن الحرب قد انتهت، وكانت مؤسسات الدولة تتفكك، لكن بغداد، رغم كل ما كانت تمر به، احتفظت بشيء من ملامحها. كانت شوارعها أنظف مما هي عليه اليوم، وكانت البنية التحتية، رغم آثار الحروب والعقوبات، ما تزال قادرة على أداء جزء كبير من وظائفها.
عشت في بغداد أربع سنوات متواصلة. لم أقرأ الأحداث في التقارير، بل عشتها لحظة بلحظة. رأيت حرب الشوارع، وفرق الموت، وعمليات الاختطاف، والانفجارات، والسرقات، وتهجير العائلات، وهدم المنازل. كانت بغداد تعيش مأساة حقيقية، وكان الخروج من المنزل قد يعني عدم العودة إليه. ومع ذلك، ظل العراقيون يتمسكون بالأمل، ويعتقدون أن هذه المرحلة، مهما بلغت قسوتها، ستنتهي بقيام دولة قوية توفر الأمن والخدمات والعدالة.
بعد ما يقارب عشرين عامًا، عدت إلى بغداد مرة أخرى. كنت أتوقع أن أرى مدينة مختلفة؛ مدينة استفادت من سنوات الاستقرار النسبي، ومن مئات مليارات الدولارات التي دخلت خزينة الدولة، ومن الإمكانات الهائلة التي يمتلكها العراق. لكن الواقع الذي شاهدته كان مختلفًا تمامًا.
في أماكن عديدة رأيت النفايات والحاويات الممتلئة تملأ الشوارع، وشاهدت بعيني رجالًا ونساءً يبحثون بين أكوام القمامة عن بقايا طعام أو مواد قابلة للبيع من أجل تأمين لقمة العيش. كان هذا المشهد بالنسبة لي أكثر إيلامًا من مشاهد الحرب التي رأيتها قبل عشرين عامًا، لأن الحروب قد تنتهي، أما الفقر الناتج عن سوء الإدارة والفساد فهو جرح يتجدد كل يوم.
كما لاحظت ازدحامًا مروريًا خانقًا، وإشارات مرور معطلة في عدد من التقاطعات، وضعفًا واضحًا في الالتزام بقواعد السير. كثير من السائقين لا يلتزمون بالإشارات أو الأولويات، ما يجعل التنقل داخل العاصمة مرهقًا وخطيرًا في آن واحد. فعندما تغيب هيبة القانون، تتحول الفوضى إلى أمر اعتيادي، ويصبح احترام النظام استثناءً بدلًا من أن يكون قاعدة.
ولأنني جئت إلى بغداد من إقليم كوردستان، لم أستطع أن أمنع نفسي من المقارنة. ففي كوردستان، ورغم الأزمات المالية والسياسية والخلافات المستمرة مع بغداد، ما زالت المدن تتمتع ببنية تحتية أفضل في كثير من الجوانب، وشوارع أكثر نظافة، وتنظيمًا عمرانيًا أوضح، واحترامًا أكبر للقانون والنظام العام. قد لا تكون التجربة مثالية، لكنها تثبت أن الإدارة الجيدة، والاهتمام بالمواطن، وتطبيق القانون، تنعكس مباشرة على شكل المدينة ونوعية الحياة فيها.
هذه المقارنة ليست للتقليل من بغداد أو من قيمة العاصمة العراقية، وإنما لطرح سؤال مشروع: لماذا استطاعت مدن في كوردستان، بإمكانات أقل وميزانيات محدودة، أن تحافظ على مستوى أفضل من النظافة والتنظيم، بينما تعاني بغداد، وهي عاصمة دولة نفطية غنية، من مشكلات كان يفترض أن تكون قد حُلّت منذ سنوات؟
بغداد ليست مدينة عادية؛ إنها عاصمة الخلافة العباسية، ومدينة الرشيد، وواحدة من أهم العواصم في تاريخ الحضارة الإنسانية. مدينة بهذا التاريخ تستحق أن تكون واجهة مشرقة للعراق، لا أن تصبح عنوانًا للإهمال وتراجع الخدمات. فمن غير المقبول أن تبقى العاصمة، بعد أكثر من عقدين على تغيير النظام، تعاني من مشكلات أساسية في النظافة، والمرور، والبنية التحتية، والخدمات العامة.
المشكلة ليست في أهل بغداد، فأهلها كما عرفتهم قبل عشرين عامًا، وكما رأيتهم اليوم، ما زالوا يتميزون بالكرم والطيبة وحسن الاستقبال. المشكلة الحقيقية تكمن في سوء الإدارة، واستشراء الفساد، وغياب التخطيط، وتقديم المصالح السياسية والحزبية على مصلحة المواطن. فالدول لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالمؤسسات، واحترام القانون، ومحاسبة الفاسدين، والاستثمار الحقيقي في الإنسان والخدمات.
خرجت من بغداد وأنا أحمل سؤالًا ظل يرافقني طوال طريق العودة: كيف يمكن لبلد يمتلك كل هذه الثروات، وكل هذا التاريخ، وكل هذه الطاقات البشرية، أن يعجز عن توفير أبسط مقومات الحياة الكريمة لمواطنيه؟ فالعراق لا تنقصه الأموال، ولا العقول، ولا الإمكانات، بل تنقصه الإدارة الرشيدة، وسيادة القانون، والإرادة السياسية التي تجعل المواطن أولًا، لا آخرًا.
وأكتب هذه الشهادة لأنني أحب بغداد، لا لأنني أريد الإساءة إليها. فقد عشت فيها سنوات من عمري، وعرفت أهلها عن قرب، ولم أرَ منهم إلا الكرم والمحبة. وما رأيته لم يكن سقوط مدينة، بل وجع وطن يمتلك كل أسباب النهوض، لكنه ما زال أسير سوء الإدارة والفساد وغياب دولة القانون.
بغداد ليست بحاجة إلى المزيد من الخطب والشعارات، بل إلى مسؤولين يؤمنون بأن خدمة الناس شرف، وأن نظافة الشارع، واحترام القانون، وكرامة المواطن، هي أولى علامات الدولة الحقيقية.
أتمنى أن يأتي اليوم الذي أعود فيه إلى بغداد، فلا أكتب عن النفايات، ولا عن الفقر، ولا عن الفوضى، بل أكتب عن مدينة استعادت هيبتها، وعاصمة نهضت من جديد كما نهضت مرات كثيرة عبر التاريخ. فبغداد أكبر من أزماتها، والعراق أغنى من أن يبقى أسير هذا الواقع، والشعب العراقي يستحق دولة تليق بتضحياته، لا أن يبقى ينتظر ما كان يجب أن يتحقق منذ زمن طويل.