مظفر مزوري
في المشهد الجيوسياسي والاقتصادي المعقد للشرق الأوسط، لا يُقاس استقرار الأقاليم بالقدرة على تجنب الأزمات، بل بمدى صلابة مؤسساتها في امتصاص الصدمات وتحويلها إلى رافعات تنموية وسيادية. في الكابينة الوزارية التاسعة لإقليم كوردستان، لم تقتصر مهمة حكومة رئيس الوزراء مسرور بارزاني على إدارة أزمات الرواتب أو التعامل مع تقلبات أسعار النفط، بل اتجهت إلى تنفيذ مجموعة من السياسات التي سعت إلى إعادة ترتيب البنية السياسية والاقتصادية للإقليم.
دخل مسرور بارزاني رئاسة الحكومة مستنداً إلى خلفية إستراتيجية وأمنية عميقة، الأمر الذي انعكس مباشرة على أسلوب تعاطيه مع التحديات السياسية، فأربيل تخلت عن سياسة التنازلات المؤقتة، واتبعت نهجاً يقوم على التمسك بالمرتكزات القانونية والدستورية في إدارة الخلافات مع بغداد في ملفات النفط، الموازنة، والمنافذ الحدودية، ورغم الضغوط الاقتصادية الكبيرة، أظهرت الحكومة قدرة على إدارة هذه الملفات، وتمكنت من التوصل إلى صيغ مالية ضمنت حقوق مواطني الإقليم من دون المساس بوضعه الدستوري.
كما ونجحت الأجهزة الأمنية في إقليم كوردستان في ترسيخ نظام “الأمن الاستباقي”، لتظل مدن كوردستان واحة أمان حقيقية في منطقة مضطربة. وتزامن هذا الاستقرار الأمني مع برنامج تحديث وتوحيد قوات البيشمركة، وهو ما عزز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب.
تؤمن حكومة مسرور بارزاني بأن البنية التحتية الصلبة هي العمود الفقري لأي اقتصاد قوي ومستقل. لذا، شهدت السنوات الماضية إطلاق مشاريع عملاقة غيرت الجغرافيا الاقتصادية لإقليم كوردستان، ومنها مشاريع الطرق والجسور، فهذه المشاريع لم تعد مجرد ممرات للسيارات، بل ساهمت في تسهيل حركة البضائع وربط المراكز الاقتصادية ببعضها بصورة أكثر كفاءة.
مشروع طريق 150 متر السريع، ذلك الصرح الهيكلي الأبرز في العاصمة أربيل، والذي نُفذ بأعلى المواصفات العالمية لتقليل الاختناقات المرورية وتسهيل حركة النقل التجاري، وكذلك طريق (روفيا – كوبال)، المشروع الإستراتيجي السريع الذي ربط بين محافظتي أربيل ودهوك، مختصراً مسافات طويلة ومساهماً في تنشيط التبادل التجاري الداخلي، وكذلك نفق وجسر گەلی زاخو وطريق سبليك، مشاريع حيوية في المناطق الجبلية الوعرة سهلت حركة القوافل التجارية وشطبت العزلة الجغرافية عن العديد من المناطق.
وفي مواجهة التغير المناخي الإقليمي ومحاولات قطع المياه، عملت حكومة مسرور بارزاني على تعزيز إدارة الموارد المائية وتقليل آثار التحديات المرتبطة بشح المياه عبر بناء السدود والبحيرات الاصطناعية، ومنها سد غومسبان، أحد أضخم المشاريع المائية المهمة في الإقليم، الذي يسهم في تأمين مياه الشرب، إنعاش الزراعة، وتنشيط السياحة البيئية. وسدود خنس، وبستورة، وتورجار، تلك السدود الحيوية التي وُزعت جغرافياً لإنعاش المياه الجوفية وحماية الثروة الزراعية والحيوانية لكوردستان، مما يعزز مفهوم “الأمن الغذائي” المستقل للإقليم.
القوة الاقتصادية والسياسية الحقيقية لا تكتمل دون حوكمة حديثة وتصفير لبيروقراطية الورق التي تغذي الفساد. هنا، تبنت الحكومة برنامجاً للتحول الرقمي شمل عدداً من المشاريع الرئيسية نقلت الإقليم إلى عصر الرقمية عبر مشروعين رياديين وهما مشروع روناكي لتوفير الكهرباء على مدار الساعة ومشروع حسابي للسيادة المالية الفردية.
يُمثل مشروع “روناكي” أحد أبرز الأدلة على قوة وإصرار الكابينة الوزارية التاسعة في إنهاء أزمات الإقليم المزمنة؛ حيث أطلقت الحكومة هذا المشروع لتوفير الطاقة الكهربائية للمواطنين على مدار 24 ساعة دون انقطاع، ويعتمد المشروع على شبكة ذكية لإدارة وتوزيع الطاقة والحد من الهدر والتجاوزات، ولم يقتصر أثره على تحسين خدمة الكهرباء للمواطنين، بل امتد إلى دعم القطاع الخاص والمصانع والمشاريع الاستثمارية.
إلى جانب ثورة الطاقة، جاء مشروع “حسابي” ليحدث واحدة من أبرز خطوات تحديث القطاع المالي في الإقليم، حيث نجحت الحكومة عبره في دمج مئات الآلاف من موظفي القطاع العام والمواطنين في النظام المصرفي الرسمي والمؤتمت بالكامل، حيث أسس المشروع لبيئة مالية حديثة تعتمد على بطاقات الدفع الإلكتروني وأجهزة الصراف الآلي (ATM) المنتشرة في كافة أرجاء إقليم كوردستان، وفتح هذا النظام الباب أمام المواطنين والشباب للحصول على تسهيلات مصرفية وقروض ميسرة لبدء مشاريعهم الخاصة، مما يعزز دور القطاع الخاص كشريك أساسي في توظيف الطاقات المحلية.
تخلت حكومة مسرور بارزاني عن الطابع “الريعي” للاقتصاد القائم على النفط، ووجهت بوصلة هيئة الاستثمار نحو ثلاثة قطاعات حيوية وهي الزراعة، الصناعة، والسياحة. اما من ناحية توطين الوظائف وفرص العمل، فقد فرضت الحكومة شروطاً صارمة على الشركات الأجنبية والمحلية المستثمرة بضرورة الاعتماد على العمالة الكوردستانية المحلية بنسبة لا تقل عن 75%. هذا القرار أجبر الشركات الكبرى على تدريب الشباب المحلي ونقل الخبرات العالمية إليهم، مما خلق عشرات الآلاف من فرص العمل المستدامة.
كما ودعمت الحكومة إنشاء المصانع الثقيلة والصناعات التحويلية (كالإسمنت، الحديد، والأغذية). ولأول مرة في تاريخ الإقليم، تحولت كوردستان من مستورد لعدد من المنتجات الزراعية إلى مصدر لبعضها، حيث بات الرمان، والتفاح، والعسل الكوردستاني يغزو الأسواق الخليجية والأوروبية، معززاً مكانة الإقليم الاقتصادية في الخارطة الدولية.
ختاماً، يمكن النظر إلى الكابينة الوزارية التاسعة برئاسة مسرور بارزاني كنقطة تحول بنيوية أعادت صياغة مفهوم عناصر القوة والنفوذ لإقليم كوردستان. لقد تجاوزت هذه الحكومة بنجاح عقيدة البقاء السياسي القائمة على المناورة والترضيات المؤقتة، متبنيةً بدلاً منها إستراتيجية فرض الأمر الواقع القائم على التمكين المؤسساتي والاستقلال الهيكلي.
وساعد الاستقرار الأمني على تهيئة الظروف لتنفيذ مشاريع البنية التحتية وتعزيز الأمن المائي والغذائي، وهو ما زاد من قدرة الإقليم على مواجهة الضغوط الاقتصادية وتقليل اعتماده على العوامل الخارجية.
من جهة أخرى، يُمثل التحول التدريجي من الإجراءات الورقية إلى الخدمات الرقمية والمنظومة النقدية التقليدية عبر مشروعي “روناكي” و “حسابي” واحدة من أبرز محطات التحول الإداري والمالي في الإقليم؛ فهو لم يقضِ على منافذ الفساد الإداري فحسب، بل نقل الإقليم إلى مصاف البيئات الاستثمارية العالمية فائقة الشفافية. هذا التحول المالي الرقمي سحب البساط من محاولات خنق الإقليم مالياً، ووضع كوردستان في موضع الشريك الندّي الموثوق أمام المؤسسات المصرفية والشركات الاستثمارية الدولية والقطاع الخاص، الذي تحول إلى الماكينة الحقيقية لتوليد فرص العمل واستيعاب طاقات الشباب.
وفي ضوء هذه السياسات، تبدو الحكومة أمام مرحلة جديدة تستند إلى مؤسسات أكثر رسوخًا، وبنية تحتية متطورة، وإصلاحات إدارية ورقمية عززت قدرة الإقليم على مواجهة التحديات المستقبلية. وإذا كانت هذه النتائج التي حققتها الكابينة التاسعة في ظل أعتى الضغوط والأزمات، فإلى أي مدى سيصل طموح إقليم كوردستان في تصدر المشهد الإقليمي كمركز اقتصادي ورقمي عالمي بمجرد اكتمال ثمار هذه الرؤية الاستراتيجية؟