ماجد الدباغ
هنا في في بلادي (العراق) كانت الانسانية تقتل الطفولة والامومة، والنبل يحرق الأخضر واليابس، والشرف يغتال الضمير والحياة، بل يحرق الاطفال الرضع في المهد أو يمنع عنهم الغذاء والدواء والعطف والحنان، وتجرب فيهم كل اساليب الموت الشنيع وتهتك هويتهم القومية.
لنستمع الى سيدة أنقذها الله تعالى برحمته من جحيم عمليات الأنفال سيئة الصيت التي شنها البعث الأثم في ثمانينات القرن الماضي على كوردستان شعبا وأرضا .
تقول هذه السيدة والشهقات تكاد تخنقها وقد حفرت الدموع أخاديد في وجهها البائس وقلبها المظلوم: “أتى جلاوزة البعث في تلك المرحلة من الأنفال وجمعونا نحن بالمئات، نساء واطفالا في معسكر بمحافظة كركوك. يومها كانت السماء تمطر دما وقيحا ودخانا وعذابا وأنا معي ابنتي وابني البالغين 2 و9 سنوات من العمر يومها لم تكن عيناي تريان سوى أشباحاً ترقص حولنا على أنغام القتل والدموع والآهات وتسحق الانسانية والشرف وتقتل الحوامل انتقاماً من بشر مازالوا في أحشاء أمهاتهم خوفا من مستقبلهم الأسود. وكأنهم يرددون، أستغفر الله، قوله تعالى (يقتلون أبناءهم ويستحيون نساءهم) واهمين أنهم سيعيشون للأبد”.
وقالت ايضاً: “لقد منعوا عنا والله من كل زاد وماء وأخذت منا مأساتنا اليومية كل أمل أو رغبة أو احتمال للحياة فقد انهار الولد أولا ومعه عشرات الأطفال في سن (6 أشهر – 9 سنوات)، مات في حضني وهو يتطلع بعينيه الذابلتين ووجهه الأصفر ودموعه التي لم تتوقف لحظة، الى رعديد ظالم لا يخاف الله وهو يكب الماء على الأرض امعانا في تعذيب الضامئين وتحدي السماء، استغفر الله، وفي قلبه الصغير غصة ورجاء في أن يلتقي أباه ثانية والذي كان يقول لي مع طلوع كل فجر جديد: أمي، لقد شاهدت والدي في المنام وهو يحمل لي قدحا من ماء بارد وكان يقول عنه انه ماء زمزم وأنا لم أشرب في حياتي الا مياه المستنقعات الآسنة ثم يتحول الماء بين يديه الى دماء”.
تضيف السيدة المنكوبة الثكلى: “تذكرت السيدة هاجر، زوجة خليل الله ابراهيم (ع) وهي تسعى بابنها اسماعيل بين الصفا والمروة طلبا لشربة ماء تطفىء ضمأه وفي تلك الأرض القاحلة دعوت: رب لا تذر للكافرين ديارا، رب أحشرهم عميانا وأسحلهم على وجوههم في النار. تصور يا بني أن امرأة منكوبة قضت أيام شبابها بانتظار أن يكبر أبناؤها وتتمتع برؤيتهم وهم يلعبون أمام ناظريها واذا بهم يقضون جوعا وعطشا على أيدي وحوش يقولون (نحن خير أمة أخرجت للناس) وتستطرد والدموع تنهال من عينيها بغزارة: ماذا أسرد لك يا ولدي. كنت في تلك الأيام اللاهبة وفي ذلك الجحيم الحارق أسمع أنين ذلك الولد المظلوم وهو يطلب بصوته المخنوق (قطعة خيار) ربما تصور بغريزته البريئة أنه سيطفىء ضمأه، ثم تحسس بيديه الصغيرتين ما حوله فوجد حذاء عتيقا ممزقا ولكن بلون (أخضر) وقد حسبه أنه خيار وأخذ يلحسه ويلعقه الى أن يئس من وجود أي حياة أو لذة فيه، فرماه وانهار بجانبي واسودت الدنيا في عيني وأخذت أصرخ وأصرخ، الويل لكم من عذاب الله وانتقامه. وعندما هممت برفع رأسه واحتضانه واذا به جثة هامدة تشكو لله وحشية هؤلاء الوحوش وظلم من كان أولادهم يعيشون في نعيم الأرض وملذاتها، واعتقدت ان السماء ستمطر غضباً وعذاباً ودماء غير أنني ولحكمة الهية قد تحملت وبقينا على قيد الحياة وابنتي مستلقية بجانبي وهي في ساعاتها الأخيرة وتسحبني من طرف عباءتي البالية وتنادي: أمي لنعد الى بيتنا هناك في (جمجمال) عسى أن أشبع هناك وأعود الى اللعب مع صديقاتي وأنا أعدُك ألاّ أبكي، وأقول لها، وأصوات الوحوش الكاسرة تصيح عبر الباب الاسود الفظيع: سكتيها والا دسناها بأقدامنا فلا عودة لكم الى الحياة ثانية لأنكم كورد ولا تستحقون الا السحق تحت الأقدام، بنيتي نحن في السجن ولا مفر منه فيما هي ترتجف خوفا ورعبا وجوعا. وانهارت هي الأخرى ورحلت الى خالقها وهي تضع رأسها في حجري وسط وحوش يضحكون ويقهقرون في استهتار الساقطين الأوباش الأراذل”.
ودعت تلك السيدة الثكلى وأنا أردد معها (وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت).