ذاكرة القامشلي في مهبّ الإهمال.. إلى أين؟!

عبد الكريم مراد

ذاكرة القامشلي ليست تفصيلاً هامشيَّاً، وليست ملفَّاً قابلاً للتأجيل. مبنى البلدية الذي صمد لعقود، لا يُهدَّد اليوم بعوامل الزمن فقط، بل بإهمالٍ لا يُبرَّر، وبصمتٍ يطرح أكثر من سؤال: أيَّةُ مدينةٍ هذه التي تترك تاريخها يتآكل أمام أعينها؟ وأيُّ مستقبلٍ يُبنى على أنقاض ذاكرةٍ مُهمَلة؟

إنَّ مبنى بلدية القامشلي ليس حصىً رمليّة صمّاء بيضاء تحت لهيب شمس الصحاري، أو صخرةً تتآكل من من شلّال، أو حجارةً صامتة على قارعة طريق مهمل، بل شاهدٌ حيّ على تاريخ مدينةٍ كاملة، وشعبٍ متجانسٍ، وعلى تحوّلات اجتماعيّة وثقافيّة وسياسيّة مرّت بها المنطقة. إنّه جزء من ذاكرة الناس، من تفاصيل يومهم، من قصصهم التي كُتبت بين جدرانه. وبالتالي…فإنَّ أيَّ قرار يمسّ هذا المبنى لا يمكن النظر إليه كإجراء إداريٍّ عابر، بل كمساس ٍ بهويَّةٍ شعبٍ شيء جماعيَّة.

وما يثير القلق ليس الإهمال بحدِّ ذاته فحسب، بل ما قد يرتبط به من اعتبارات أوسع، فثمّة من يرى أنَّ بعض الملفات قد تُدار أحياناً في سياق توازنات قائمة، أو في إطار تأجيل استحقاقات مرتبطة بترتيبات إداريّة أكبر، وهو ما قد ينعكس على قضايا ثقافيّة وتاريخيّة كهذه. وفي هذه الحالة، يتحوّل المبنى—ولو بشكل غير مباشر—إلى جزء من سياقٍ تتداخل فيه الحسابات مع الذاكرة.

بدلاً من أن يكون هذا المعلم محلّ عناية وترميم، ليُعاد تقديمه بصورة تليق بعمره ومكانته، نشهد توجُّهاً يقترب من التهميش، وكأنَّنا أمام إعادة ترتيب للأولويّات، حيث تتراجع الثقافة والتاريخ أمام ضرورات آنيّة. وهذا ما يطرح تساؤلات جدّية: هل أصبح الحفاظ على الإرث التاريخيّ ترفاً؟ أم أنَّ الذاكرة لم تعد ضمن الأولويّات الملحّة؟ إنَّ المدن التي تحترم نفسها تبدأ من احترام تاريخها.

فالمباني القديمة ليست مجرّد بقايا زمنٍ مضى، بل هي جسور تربط الأجيال ببعضها، وتمنح الحاضر عمقاً ومعنى. إنَّ إهمال مبنى بلدية القامشلي، أو إدراجه ضمن حسابات الواقع، لا يعني فقط خسارة معلم ٍ معماريٍّ، بل هو خسارة لجزء من روح المدينة. وإنَّ أيَّ مشروع نهضويٍّ حقيقيٍّ لا يمكن أن يقوم على أنقاض الذاكرة، بل على صونها وتعزيزها. فالتاريخ لا يُكتب فقط، بل يُصان ومن يحافظ عليه، إنَّما يحافظ على جذوره ومستقبله معاً

وفي القامشلي، حيث تتداخل الهويات وتتشابك الثقافات، فبات الحفاظ على هذا الإرث ضرورة مضاعفة، لا خياراً ثانويّاً. وحين تُهان الذاكرة، لا يسقط الماضي وحده… بل يتصدّع المستقبل من جذوره.

قد يعجبك ايضا