تكوين حكومة إقليم كوردستان: الاختصاص البرلماني والتوافق السياسي

 

د. إبراهيم الشرفاني
أستاذ مساعد – القانون الدستوري والنظم السياسية

المقدمة

تقوم الدولة الدستورية على مبدأ جوهري مؤداه أن الشرعية السياسية تنبع من إرادة الناخبين، بينما تتجسد الشرعية القانونية من خلال المؤسسات التي أنشأها الدستور وحدد اختصاصاتها. ومن ثم، فإن التوافق السياسي يمثل قيمة دستورية ووطنية تسهم في تعزيز الاستقرار وترسيخ الشراكة، إلا أنه لا يجوز أن يتحول إلى بديل عن الاختصاصات التي أناطها الدستور بالمؤسسات المنتخبة.

ولا تُقاس قوة الأنظمة الدستورية بقدرتها على إدارة حالات الاتفاق فحسب، وإنما بقدرتها على إدارة الخلافات ضمن إطار المؤسسات الدستورية. فالدستور لم يُوضع لتنظيم التوافق عندما يكون قائماً، وإنما لتنظيم الاختلاف عندما يصبح التوافق عسيراً. ومن هنا، فإن كل أزمة سياسية تمثل اختباراً لمدى رسوخ الثقافة الدستورية، ولإيمان الفاعلين السياسيين بأن المرجعية النهائية في الدولة الديمقراطية هي المؤسسات، لا موازين القوى.

وفي هذا السياق، تبرز المباحثات الجارية بشأن تكوين حكومة إقليم كوردستان، بوصفها نموذجاً لاختبار العلاقة بين التوافق السياسي والاختصاص البرلماني. فالقوى السياسية جميعها تؤكد تمسكها بالشراكة والاستقرار، إلا أن الخلاف يتمحور حول آليات ترجمة هذا التوافق إلى قرارات دستورية ملزمة.

أولاً: أبعاد الإشكالية الدستورية في تكوين الحكومة

لا يكمن الخلاف بين الحزبين الرئيسيين في إقليم كوردستان في مبدأ التوافق السياسي، فكلاهما يقر بأنه ضرورة تفرضها طبيعة المجتمع الكوردستاني والتجربة السياسية في الإقليم، وإنما يتمحور حول مسألتين أساسيتين:

1. معيار التوافق السياسي

يرى الحزب الديمقراطي الكردستاني أن التوافق ينبغي أن ينطلق من نتائج الانتخابات، بحيث يكون الاستحقاق الانتخابي هو الأساس الموضوعي لتوزيع المسؤوليات العامة، باعتباره التعبير المباشر عن الإرادة الشعبية.

في المقابل، يرى الاتحاد الوطني الكردستاني أن الشراكة الحقيقية تقتضي اعتماد مبدأ المناصفة في توزيع الحقائب الوزارية والمناصب السيادية، باعتباره الضمانة الأقدر لتحقيق التوازن السياسي بين الشريكين الرئيسيين.

ولا يعني هذا التعارض إنكار أي من الطرفين لقيمة الشراكة، وإنما يعكس اختلافاً في تحديد معيارها: أهو التوازن السياسي بين القوى الرئيسة، أم الوزن الذي أفرزته صناديق الاقتراع؟

2. المرجعية الدستورية عند استحكام الجمود السياسي

يرى الحزب الديمقراطي أن المرجعية ينبغي أن تبقى لبرلمان إقليم كوردستان، باعتباره المؤسسة المنتخبة التي تمثل الإرادة الشعبية، وأن تُحسم الخلافات داخله وفق الآليات الدستورية، مع التزام جميع الأطراف بما ينتهي إليه من قرارات.

أما الاتحاد الوطني، فيرى أن اللجوء إلى المحكمة الاتحادية العليا، وما قد يترتب عليه من حل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة، يمثل أحد المخارج الدستورية الممكنة لإنهاء حالة الجمود السياسي.

ثانياً: الشرعية الدستورية وحدود التوافق السياسي

من منظور فلسفة الدستور، لا يُنظر إلى التوافق السياسي باعتباره منافساً للمؤسسات الدستورية، وإنما باعتباره وسيلة لتمكينها من أداء وظائفها. فالتوافق ينتج الإرادة السياسية، أما الشرعية القانونية فلا تنتج إلا من خلال المؤسسات التي حددها الدستور.

كما أن الانتخابات لا تمنح الأحزاب حق ممارسة السلطة بصورة مباشرة، وإنما تمنحها حق ممارستها عبر المؤسسات الدستورية. فالانتخابات تحدد حجم التمثيل السياسي لكل قوة داخل البرلمان، لكنها لا تُنتج آثارها الدستورية بذاتها، وإنما من خلال الإجراءات التي يمارسها البرلمان وفق أحكام الدستور والقانون. وبذلك تمنح الانتخابات الشرعية السياسية، بينما يمنح البرلمان الشرعية المؤسسية لممارسة السلطة.

وفي الوقت ذاته، فإن التوافق في الأنظمة البرلمانية التعددية ليس قاعدة قانونية ملزمة، وإنما هو عرف سياسي تفرضه طبيعة المجتمع، ويكتسب قيمته بقدر ما يسهم في تعزيز عمل المؤسسات. أما إذا تحول إلى وسيلة لتعطيلها أو إحلال التفاهمات السياسية محل الإجراءات الدستورية، فإنه يفقد وظيفته ويبتعد عن الغاية التي وجد من أجلها.

وفي المقابل، فإن تجاهل مقتضيات التوافق في مجتمع تعددي قد يؤدي إلى إضعاف الاستقرار السياسي، حتى وإن استوفيت الإجراءات الدستورية شكلياً. ولذلك فإن نجاح النظام البرلماني لا يتحقق بسيادة السياسة على الدستور، ولا بسيادة النصوص على الواقع، وإنما بتحقيق التوازن بين الشرعية الانتخابية، والتوافق السياسي، والاختصاصات الدستورية للمؤسسات.

ثالثاً: الرؤية المؤسسية لتكوين الحكومة

إن الدولة الدستورية لا تقوم على انتصار حزب على آخر، وإنما على انتصار المؤسسة على الأزمة.

فالتوافق السياسي يظل قيمة وطنية متى كان وسيلة لتقوية المؤسسات الدستورية، بينما يفقد هذه القيمة إذا أصبح بديلاً عنها.
[6/29/2026 11:06 AM] جواد كاظم: كما أن البرلمان لا يكتسب مكانته من كونه ساحة للأغلبية فحسب، بل من كونه الإطار الدستوري الذي تستوعب داخله جميع الآراء والاتفاقات والخلافات، وتتحول داخله الإرادة السياسية إلى قرارات دستورية ملزمة.

ولهذا، فإن الاختلاف في الرؤى السياسية ينبغي ألا يتحول إلى اختلاف في المرجعية الدستورية، لأن المرجعية النهائية في الدولة الديمقراطية هي المؤسسات التي أنشأها الدستور، لا موازين القوى السياسية.

فالدساتير لا تُقاس بقدرتها على إنتاج الحكومات فحسب، وإنما بقدرتها على إنتاج حلول دستورية عندما تتعذر ولادة الحكومات. وكلما بقيت المؤسسات هي المرجع النهائي في إدارة الخلاف، بقيت الشرعية أقوى من الأزمة.

الخاتمة

تخلص هذه الدراسة إلى أن منح الحوار السياسي والتوافق بين القوى الفائزة الأولوية القصوى يظل الخيار الأكثر انسجاماً مع طبيعة النظام البرلماني في إقليم كوردستان، مهما اختلفت صيغ هذا التوافق، لأن الاتفاق الذي يفضي إلى تشكيل حكومة قادرة على ممارسة اختصاصاتها ضمن الإطار الدستوري يظل أفضل من انتقال الخلاف إلى مرحلة تعطّل المؤسسات أو العودة إلى نقطة الصفر.

كما ترى الدراسة أن اللجوء إلى المحكمة الاتحادية العليا، وما قد يترتب عليه من حل البرلمان وإعادة الانتخابات، ينبغي أن يبقى خياراً استثنائياً لا يُلجأ إليه إلا بعد استنفاد جميع الوسائل السياسية والدستورية الممكنة. فالانتخابات تمثل وسيلة لتجديد الشرعية الديمقراطية، لكنها ليست، في حد ذاتها، ضمانة لتغيير موازين القوى أو إنهاء الجمود السياسي، بل قد تؤدي إلى إعادة إنتاج المشهد ذاته، بما يترتب على ذلك من كلفة دستورية وسياسية واقتصادية واجتماعية مرتفعة.

وعليه، فإن المخرج الأكثر اتساقاً مع فلسفة الدستور يتمثل في أن يبقى التوافق السياسي أداة لبناء الثقة بين الشركاء، وأن يظل البرلمان الإطار المؤسسي الذي تُترجم داخله هذه التوافقات إلى قرارات دستورية ملزمة. فاستقرار التجربة الدستورية في إقليم كوردستان لا يتحقق بمنطق الغلبة، ولا بالإفراط في اللجوء إلى القضاء الدستوري، وإنما بترسيخ ثقافة دستورية تؤمن بأن الحوار هو أصل البناء، والتوافق وسيلة لتعزيز المؤسسة، والمؤسسة هي حاضنة الشرعية، والشرعية أساس الاستقرار، والاستقرار هو الثمرة الطبيعية للدولة الدستورية.

{ فلا حوارَ من دون واقعية، ولا توافقَ من دون حقائق، ولا شرعيةَ من دون دستورية، ولا استقرارَ من دون مؤسساتٍ راسخة }.

قد يعجبك ايضا