محمود سعدو.. لا يرد على مكالمتي الأخيرة؟!

إبراهيم اليوسف

ثمة أسبوع آلام مرير مرّ عليّ، إذ فُجعت فيه برحيل بعض الأصدقاء المقربين، ومنهم من كان بيننا تواصل يومي. ويعد الصديق الفنان محمود حسين سعدو، رفيق العمر، في طليعة هؤلاء. فقد تعارفنا منذ أواخر السبعينيات، وكانت لنا مجموعتنا من كل من: الفنانين خليل مصطفى، وسعيد حسن، والدكتور عبد الرحمن بك، وأسعد فتاح، الذي كتبت عنه، وأنا طالب ثانوي، ونشرت في إحدى الصحف الرسمية عام 1977 قصيدة “أسعد المواطن الأجنبي”، التي اخترقت حاجز الرقابة، مديناً خلالها قرار سلب الكورد حق المواطنة، بموجب إحصاء 1962 الجائر.

كانت لنا لقاءات شبه يومية، ضمن المجموعة، ومع دائرة واسعة من أصدقاء آخرين، وكان محمود الأكثر حضوراً، بحكم سكننا في حي واحد، وقد توطدت العلاقة بين عائلتينا، كما أسر بقية الأصدقاء، فكان ينظر إلينا، غالباً، بوصفنا إخوة، أبناء أسرة واحدة.

ثمة ذكريات كثيرة جمعتني ومحمود، يمكن تناولها في كتاب خاص، وقد أشرت إلى بعض منها في كتابي السيروي “ممحاة المسافة”. وعملنا معاً في العام الدراسي 1980-1981 في مدرسة ريفية، هي” باوع” جنوب قامشلي، ولنا فيها قصص كثيرة مع تلاميذ المدرسة وأهل القرية البسطاء. وكان صديقي محمود قد منحني كتاباً، بصفته مدير المدرسة. المدير على نفسه، لوجود شاغر آخر، فيها، لنغدو معلمين اثنين، بعد أن تم تعييني في قرية “أم ذويل”، قرية الدكتور خالد حسين، البعيدة عن قامشلي. وأمضينا عاماً دراسياً مميزاً، وكان أبو كاوا يشبهني في تمرده، وفي رفضه لأي خطأ يصدر عن أية جهة إدارية، وهي، في تصوري، من أهم سمات الإنسان.

((متى ستأتي، إبراهيم؟ ها هم جميعاً عادوا إلى الوطن إلا أنت! لقد اشتقنا إليك)). العبارة التي طالما كررها. أوعدته في أواخر العام الماضي أننا سنلتقي في نيسان من العام التالي، في الوطن أو في إقليم كوردستان. وما إن بدأ العام الجديد حتى صار يتحدث عن مجيئي في كل مكالمة عبر” الواتس آب”، إلى أن مضى شهر نيسان، وشرحت له بعض واقع الحال والموانع، لكنه ظل يسألني بحنان الأخ الكبير: ((ماذا عن ديسك الظهر؟ ماذا عن وجع الركبتين؟)) فأكاد أخفي عنه كل شيء، إلا أن أصدقاء مشتركين كانوا يطلعونه على أخباري. وكنت، في المقابل، أسأله عن وضعه الصحي، فيجيبني دائماً: ((أنا بخير)).

قالها حتى في لحظة اشتداد المرض عليه، وهو الذي أجرى عملية قلب مفتوح، وعانى في ظل صيف بلا كهرباء ولا ماء، وكان يقول: ((تصور، نحن بلا ماء…!، نحن بلا كهرباء…!، كيف يؤمن المعدمون خبزهم؟)). طبقات دخان المولدات تغطي سماء المدينة والمنطقة.

أتذكر، كنا مجموعة من المعلمين نقف صباحاً في مستديرة عامودا – الحسكة، ثم ننطلق إلى مدارسنا. أتذكر منهم: عبد اللطيف عبد الله، كمال حسن، منير دباغ، عبد القادر خليل، محمود سعدو، زهير حسين، أحمد علي، والراحلين: عبد الرحمن سيد عيسى، أحمد الحسيني، وآخرين ما عدت أتذكر أسماءهم. وقد غدا هؤلاء جميعاً من خيرة مربي المدينة والمنطقة.

عمل محمود مربياً في سلك التربية، في مجال التعليم الابتدائي، نحو خمس وثلاثين سنة. وكان راتبه الضئيل مصدر رزقه الوحيد، يعيل به أسرة كاملة من البنات والبنين، تابعوا دراستهم، وكان من بينهم أكثر من تقني وفنان في مجال الخط.

تميز محمود بخطه الكتابي الجميل، وافتتح أكثر من- محل لتخطيط الآرمات- ولطالما استعنا بريشته، كما رسم لوحات عديدة، أتذكر منها رسوماً لشخصيات، من بينها صورة لي. وكان يعد نفسه متعلماً، يستفيد من أصدقاء سبقوه في هواية الخط، وفي مقدمتهم الخطاط والفنان خليل مصطفى، الذي بدأنا معه رحلة التعارف، وكان مع أبي كاوا حتى الساعة الأخيرة من رحيله.

كما كتب محمود كثيراً من المقالات الخدمية في صحف تلك الأيام، قبل أن يتوقف عن تلك الكتابات السريعة، ورافق اسمه بعض الريبورتاجات التي أعددتها ميدانياً، إذ كان يرد بعد اسمه: تصوير، لشغفه بالتصوير، ولرغبتي في أن يترافق اسمانا على صدر صفحة التحقيقات في جريدة يومية هي تشرين، التي كانت الأكثر انتشاراً والأكثر قبولاً بالنسبة إلينا، في زمن الحصار الإعلامي خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

كان محمود صاحب قلب طيب ورحيم. فقد دخل السجن خلال الخدمة العسكرية الإلزامية نتيجة تقرير كيدي من شخص كان في ضيافته في دمشق، أوشى به، بعد أن نقل معلومة صحيحة عما كان يحمله في “كمر” بنطاله من ممنوعات، لا يعرف أمرها غيرهما، كما ظل يقول. ومع ذلك، لم يفكر يوماً بالإساءة إلى ذلك الشخص، وكل ما فعله أنه قاطعه.

أمس، عندما علمت، من خلال شقيقي أحمد وبيمان خليل مصطفى، بنبأ رحيله، عند الساعة الواحدة بتوقيت أوروبا، لم أرد أن أصدق الخبر، وأحسست أنني أكاد أختنق. وكيف لا، وبيننا صداقة عمرها أكثر من أربعة عقود ونصف، تجرعنا خلالها كثيراً من المتاعب، وجمعتنا لقاءات شبه يومية طوال فترة وجودي في الوطن. كان أحد أولئك الذين نتداعى في السراء والضراء، كما يفعل أبناء البيت الواحد. ولعل ما كان بيني وبين عدد من الأصدقاء المقربين يفوق علاقة أي منا بإخوته وذويه، لذلك كانت صدمتي كبيرة جداً. شعرت أن جزءاً قد اقتلع من وراء ضلوعي.

إنه غياب صديق دأب أن يتواصل معي على نحو شبه يومي عبر- فيديو الواتس آب- كلما توافر” الإنترنت” لديه، نسترجع ما هو طريف أو موجع من ذكريات الماضي، ولا سيما الأكثر خصوصية بالنسبة إلينا أو إلى أصدقائنا. نذكر أسماء بعضهم الأكثر قرباً، ثم نحاكمهم غيابياً، قبل أن يعلمهم أحدنا أو كلانا بما قلناه، إذا أمكن ذلك.

عرف محمود بجرأته. ففي أوج زمن الحرب كان يكتب في صفحته على الفيسبوك منشورات تتقطر ألماً بسبب ما آلت إليه الأمور في زمن بعض الفاسدين المهيمنين، يدينهم خلالها، صارخاً في وجوههم بما لا يقبل المواربة. ولطالما نبهته قائلاً: أبو كاوا، أنت بين أيدي جميعهم، فانتبه إلى نفسك!. لكنه لم يكن يتردد في قول الحق، مدفوعاً بإيمانه الداخلي، وضميره، ووطنيته، ويده البيضاء. فلم يكن يتخذ مواقفه من أجل منفعة أو مكسب شخصي، وإنما من أجل مجتمع موضوع على النطع، بسبب التضييق على الحريات، وصعود المنافقين والفاسدين والمأجورين، ناهيك عن تجويع الناس، واستسهال سفك دماء الأبرياء والاتجار بها، من دون أي مسوغ، وهو ما كانت ترفضه أخلاقه وتربيته.

بعد أن صدمت بخبر وفاته الأليم، حاولت أن أنعاه بعبارات قليلة، لكنني لم أتمكن، ولا أدري كيف تمت صياغة المنشور. كما حاولت طوال اليومين الماضيين أن أتناول شخصية محمود، الذي كان جزءاً من يومي، أو من برنامجي الأسبوعي، بحسب ظروف الاتصال، بما يترجم ذلك التواصل الروحي، إلا أنني فشلت. وها أنا أستذكر بعض ملامح شخصيته وعلاقاتنا، في مقام الاعتراف بجميل حضور صديق بار، وفاءً لتاريخ مشترك، رغم إدراكي مدى تقصيري في ذلك، لأن صديقاً عاملني بكل هذا النقاء وروح الأخوة على مدى ستة وأربعين عاماً، لا يمكنني أن أوفيه حقه، كتابياً، فحسب، لاسيما في ساعات التوتر واستشعار فجيعة الغياب الأبدي.

في يومه الأخير، وصله بوستري الصباحي مع عدد من الأصدقاء الذين أسميهم الصفوة، ممن لا يتأففون من رسائلي الصباحية الملحاحة، لكنه لم يرد، كما في اليومين السابقين. ولم أنتبه إلى ذلك، بسبب أكثر من صدمة، توجتها صدمتي الكبرى برحيله. لذلك فقد توقفت عن الرد على رسائل الصباح التي تصلني من بعض المقربين، بعد سماعي النبأ الحزين، وأنا وأسائل نفسي، في حالة حداد:

كيف سأزيل اسم أبي كاوا من هذه القائمة، كما أزلت أسماء أخرى سبقت، رغم أنني لم ألغِ، ولن ألغي، صداقة أي من أصدقائي الراحلين، حتى وإن انقطع بيننا كل تواصل؟

قد يعجبك ايضا