محمد علي الحيدري
هناك فرق جوهري بين الدولة التي تدير الرأي العام، والدولة التي تثق به. الأولى تنظر إلى الكلمة بوصفها تحدياً يجب احتواؤه، بينما تراها الثانية مورداً وطنياً يساعدها على اكتشاف أخطائها قبل أن تتحول إلى أزمات. ومن هنا، لم تعد حرية التعبير في الفكر السياسي الحديث مجرد حق من حقوق الإنسان، بل أصبحت مؤشراً على درجة ثقة الدولة بنفسها، وعلى نضج مؤسساتها، وعلى قدرتها على التعايش مع التعدد والاختلاف.
فالدول لا تُقاس فقط بحجم اقتصادها أو قوة جيوشها أو اتساع نفوذها، بل تُقاس أيضاً بقدرتها على الاستماع. فالاستماع ليس ضعفاً، بل هو أحد أشكال القوة الهادئة. وكلما ازدادت المؤسسات ثقة بشرعيتها، ازدادت قدرتها على تقبل النقد، لأن النقد بالنسبة إليها ليس تهديداً لوجودها، وإنما فرصة لمراجعة السياسات وتصحيح المسار.
ولذلك، فإن المجتمعات الحديثة لم تعد تنظر إلى حرية التعبير بوصفها امتيازاً تمنحه السلطة للمواطن، وإنما باعتبارها جزءاً من منظومة إنتاج المعرفة. فالأفكار لا تنمو في البيئات المغلقة، والسياسات الرشيدة لا تتولد داخل غرف الصدى التي لا يسمع فيها المسؤول إلا من يوافقه. إن التقدم، في جوهره، يبدأ من الاعتراف بأن الحقيقة لا يحتكرها أحد، وأن الرأي المختلف قد يحمل جزءاً من الحقيقة التي غابت عن الآخرين.
لكن هذه الفكرة كثيراً ما تُساء قراءتها. فحرية التعبير لا تعني أن يصبح المجال العام مباحاً للتشهير، أو التحريض، أو صناعة الأكاذيب، أو هدم الثقة بالمجتمع. فالفارق كبير بين حرية الرأي وبين استخدام الرأي سلاحاً للإضرار بالآخرين. ولذلك فإن كل الديمقراطيات تضع حدوداً قانونية وأخلاقية تحمي الإنسان والمجتمع، لكنها تحرص في الوقت نفسه على ألا تتحول تلك الحدود إلى مساحة رمادية واسعة يخشى الناس الاقتراب منها، فيفضلون الصمت على الكلام.
وهنا تبرز معضلة فلسفية وسياسية في آنٍ واحد. فالمجتمعات لا تخسر عندما تسمح بقدر أكبر من النقاش، لكنها قد تخسر كثيراً عندما يصبح الخوف من الخطأ أقوى من الرغبة في التفكير. فالإبداع، والبحث العلمي، والصحافة، والتحليل السياسي، وحتى صناعة القرار، كلها تنتمي إلى بيئة واحدة أساسها حرية السؤال. وإذا ضاق المجال أمام السؤال، ضاق معه مجال الاكتشاف، وتراجعت قدرة المجتمع على تجديد نفسه.
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث في أي مجتمع ليس غياب حرية التعبير وحده، بل شيوع الرقابة الذاتية. فالرقابة الرسمية يمكن رؤيتها ومناقشتها، أما الرقابة التي يسكنها الإنسان في داخله فهي أكثر هدوءاً وأشد أثراً. إنها تدفع الكاتب إلى حذف فكرة، والصحفي إلى إسقاط معلومة، والباحث إلى تجنب موضوع، والمحلل إلى اختيار الصمت، لا لأنه اقتنع، بل لأنه لم يعد واثقاً من الحدود الفاصلة بين الرأي المشروع والتأويل المحتمل.
وعندما تنتشر هذه الحالة، يخسر الجميع. تخسر الدولة لأنها لا تعود تسمع إلا الأصوات المتشابهة، ويخسر المجتمع لأنه يفقد حيوية النقاش، ويخسر صانع القرار لأنه يصبح أقل اطلاعاً على المزاج الحقيقي للناس. فالسلطة التي لا يصلها إلا الثناء، تصبح أقل قدرة على رؤية أخطائها، وأكثر عرضةً لمفاجآت الواقع.
إن الحكمة السياسية لا تكمن في إلغاء الضوابط، وإنما في دقة استخدامها. فالقانون ضرورة لحماية المجتمع، لكنه يحقق غايته الحقيقية عندما يكون واضحاً، ومتوقعاً، ومتوازناً، ويستهدف السلوك الضار لا الرأي المختلف. فليس كل نقد إساءة، وليس كل اختلاف تهديداً، وليس كل تحليل مخالفاً للحقيقة. وفي المقابل، ليس من حرية التعبير الاعتداء على الكرامات، أو نشر الكراهية، أو اختلاق الوقائع.
لقد أثبتت تجارب الدول أن الاستقرار المستدام لا يقوم على تقليص النقاش، بل على تنظيمه، ولا على إسكات الأصوات، بل على توسيع مساحة المسؤولية. فالكلمة المسؤولة لا تهدم الدولة، وإنما تساعدها على أن تكون أكثر كفاءة، وأكثر شفافية، وأكثر قدرة على تصحيح أخطائها قبل أن تتفاقم.
وفي النهاية، ليست القضية في عدد الكلمات التي تُقال، بل في طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فحين تقوم هذه العلاقة على الثقة، تصبح حرية التعبير جزءاً من منظومة الأمن الوطني، لأنها تتيح اكتشاف الخلل مبكراً، وتمنع تراكم الاحتقان، وتفتح أبواب الإصلاح. أما حين تقوم على الريبة المتبادلة، فإن الجميع يخسر؛ إذ تخسر الدولة فرصة الإصغاء، ويخسر المجتمع فضاء الحوار، وتخسر الحقيقة الطريق الذي تصل به إلى الناس.
إن مساحة الكلام ليست نقيضاً لمساحة الدولة، بل هي إحدى علامات اتساعها ونضجها. فالدولة التي تثق بنفسها لا تخشى الكلمة، لأنها تدرك أن الفكرة لا تُهزم بالمنع، وإنما بفكرة أفضل منها، وأن الرأي لا يُصحح إلا برأي أقوى، وأن الدولة التي تمتلك ثقة مواطنيها لا تحتاج إلى أن تنتصر على الأصوات، بل إلى أن تقنعها.