الدكتور الأستاذ نزار الربيعي
لا تُبنى المجتمعات المستقرة بالقوانين وحدها، ولا تتحقق نهضتها بالمنجزات المادية وحدها، وإنما تبدأ نهضة الأمم من بناء الإنسان؛ لأن الإنسان هو محور العمران وصانع الحضارة. وحين يختل ميزان الإنسان بين العقل والعاطفة، وبين الروح والمادة، وبين الحقوق والواجبات، تظهر صور الغلو والتشدد أو الانفلات واللامبالاة، وكلاهما يهدد تماسك المجتمع واستقراره. ومن هنا كان الاعتدال، في الرؤية الإسلامية، ليس خيارًا ثانويًا، بل أصلًا من أصول البناء الحضاري، ومنهجًا متكاملًا في تربية الفرد وإصلاح المجتمع.
لقد جعل القرآن الكريم الوسطية سمةً لهذه الأمة بقوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، وهي وسطية لا تعني الوقوف بين طرفين فحسب، وإنما تعني العدالة والاستقامة والتوازن، بحيث لا يطغى جانب على آخر، ولا تتحول العبادة إلى انقطاع عن الحياة، ولا يتحول الاهتمام بالدنيا إلى غفلة عن القيم والأخلاق. ولهذا أكد علماء الإسلام، عبر العصور، أن الاعتدال هو الطريق الذي يجمع بين قوة الإيمان وحسن المعاملة، وبين التمسك بالثوابت والانفتاح على الواقع.
وفي هذا السياق، جاءت المدارس الصوفية بوصفها مؤسسات تربوية تهدف إلى تهذيب النفس، وربط السلوك بالأخلاق، وجعل العبادة وسيلة لإصلاح الإنسان قبل أن تكون مجموعة من الممارسات الشكلية. وقد تميزت كل طريقة صوفية بمنهجها في التربية، غير أن القاسم المشترك بينها جميعًا هو السعي إلى تزكية النفس، وترسيخ قيم المحبة، والرحمة، والتواضع، والإخلاص، بوصفها الأساس الذي تُبنى عليه شخصية المسلم.
وتعرض أدبيات الطريقة الكسنزانية الاعتدال باعتباره ركيزةً من ركائز التربية الروحية، إذ تقوم فلسفتها التربوية – كما تقدمها مصادرها – على الجمع بين الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية، والاهتمام بتزكية النفس، والانخراط الإيجابي في المجتمع. فلا تنظر إلى الذكر باعتباره غاية مستقلة، وإنما تعدّه وسيلة لتطهير القلب، وضبط السلوك، وتقوية صلة الإنسان بربه، حتى ينعكس أثر العبادة في معاملاته اليومية، وفي صدقه، وأمانته، ورحمته بالناس.
ومن هذا المنطلق، لا تقتصر التربية في الطريقة على المجالس والأوراد، وإنما تمتد إلى الحياة كلها. فالمريد، وفق هذا التصور، لا يُقاس بكثرة ما يحفظ من الأذكار، بل بقدر ما يظهر في سلوكه من تواضع، وصدق، وحلم، وصبر، وإتقان للعمل، واحترام لحقوق الآخرين. فالقيمة الحقيقية للتربية الروحية تكمن في قدرتها على تحويل المبادئ إلى ممارسة يومية، بحيث يصبح الاعتدال أسلوب حياة، لا مجرد شعار يُردد في المناسبات.
وتؤكد أدبيات الطريقة أن الإنسان يبدأ رحلة الإصلاح من داخله، لأن إصلاح المجتمع لا يتحقق بإصلاح الأنظمة وحدها، وإنما بإصلاح الضمير الذي يوجه السلوك. فإذا استقام القلب، استقامت الجوارح، وإذا تهذبت النفس، انعكس ذلك على الأسرة، ثم على المجتمع بأسره. ولهذا فإن التربية الروحية لا تنفصل عن المسؤولية الاجتماعية، بل تعدها امتدادًا طبيعيًا للإيمان، إذ لا قيمة لعبادة لا تثمر أمانةً في العمل، ولا قيمة لذكر لا يقود إلى الرحمة، ولا قيمة لمعرفة لا تنعكس أخلاقًا في معاملة الناس.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية القيادة الروحية في المحافظة على وحدة المنهج التربوي واستمراره. وتعرض المصادر الرسمية للطريقة الكسنزانية دور الشيخ نهرو محمد عبد الكريم الكسنزاني بوصفه امتدادًا للسلسلة الروحية للطريقة، والمسؤول عن مواصلة رسالتها التربوية، والمحافظة على الأصول التي قامت عليها، مع مواكبة متطلبات العصر. ووفق ما تذكره هذه المصادر، فإن وظيفة الشيخ لا تنحصر في إدارة شؤون الطريقة، بل تتمثل في توجيه المريدين إلى ترسيخ قيم الاعتدال، والمحبة، والإحسان، وربط التربية الروحية بخدمة المجتمع، حتى تبقى الطريقة وفيةً لرسالتها في بناء الإنسان المتوازن. ومن هذا المنظور، فإن أهمية وجود الشيخ – كما تعرضها أدبيات الطريقة – تنبع من كونه مرجعًا تربويًا يسهم في الحفاظ على وحدة المنهج، واستمرار المدرسة الروحية، ونقل قيمها بين الأجيال، بما يحقق التوازن بين الأصالة والتجديد، والثبات على المبادئ مع الانفتاح المسؤول على الواقع.
إن الاعتدال، في جوهره، ليس موقفًا فكريًا فحسب، بل هو أسلوب في النظر إلى الإنسان والحياة. وهو ما يجعل التربية الروحية، متى التزمت بهذا المنهج، قادرة على صناعة شخصيات متوازنة، تؤمن بالحوار بدل الصدام، وبالإصلاح بدل الإقصاء، وبالمحبة بدل الكراهية. وعندما يتحول هذا الفهم إلى ثقافة يومية، يصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة أسباب الانقسام، وأكثر استعدادًا لبناء مستقبل يقوم على الأخلاق، والعلم، والعمل، واحترام الإنسان.