كردستان ليست ساحة حرب بين طهران وواشنطن: ماذا تريد إيران من أربيل؟

عطا شميراني

كردستان العراق لا تعتبر نفسها طرفًا في الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة، ولم تطلب أن تتحول أراضيها إلى جبهة عسكرية في صراع لا تملك قرار اندلاعه ولا أهدافه. كما أنها لم تعلن نفسها منصة للعداء ضد طهران، بل أكدت قيادتها مرارًا رغبتها في النأي بالإقليم عن صراعات المنطقة، والحفاظ على علاقات متوازنة مع دول الجوار، وألا تُستخدم أراضي كردستان لتنفيذ أعمال عدائية ضد أي دولة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وبإلحاح أكبر من أي وقت مضى، هو: إذا كانت كردستان لا تريد الحرب، فلماذا تُستهدف؟ وماذا تريد إيران من كردستان؟

الهجوم الذي استهدف مكتب رئيس حكومة إقليم كردستان مسرور بارزاني، إلى جانب منزل مسؤول أمني، لا يمكن قراءته باعتباره مجرد حادث أمني منفصل عن السياق الإقليمي المتفجر. فحين تصل الضربة إلى مكتب رئيس الحكومة، فإنها تتجاوز منطق استهداف موقع عسكري أو جماعة مسلحة، وتحمل في طياتها رسالة سياسية مباشرة إلى القيادة الكردستانية: حتى المؤسسات السياسية والأمنية في أربيل ليست بمنأى عن الاستهداف.

وهنا تكمن خطورة الرسالة.

قد لا يكون هدف إيران تدمير كردستان بالكامل، ولا إسقاط حكومة الإقليم عسكريًا، فهذا خيار ستكون كلفته السياسية والاستراتيجية هائلة. لكن ثمة هدفًا أكثر واقعية يمكن استنتاجه من طبيعة الضربات وتكرارها: إضعاف كردستان، وإبقاء بيئتها الأمنية والاقتصادية تحت ضغط دائم.

فحين تُستهدف منشآت الطاقة أو المواقع الحيوية أو المطارات أو المنشآت الأمنية والاتصالات، لا تكون الأضرار محصورة في المباني والمعدات. الضربة العسكرية قد تنتهي خلال دقائق، لكن آثارها الاقتصادية والسياسية يمكن أن تستمر سنوات.

المستثمر يحتاج إلى الأمن قبل رأس المال. والشركات الدولية تحتاج إلى الاستقرار قبل أن تتخذ قرار البقاء والتوسع. والسائح يبحث عن بيئة آمنة. والمواطن يريد أن يشعر بأن مدينته ليست معرضة في أي لحظة لصاروخ أو طائرة مسيّرة.

ومن هنا، فإن استهداف البنية التحتية يمكن أن يتحول إلى حرب على الثقة.

وإذا تراجعت الثقة، تراجع الاستثمار. وإذا تراجع الاستثمار، تضرر الاقتصاد. وإذا تضرر الاقتصاد، أصبحت حكومة الإقليم أكثر هشاشة أمام الضغوط السياسية والأمنية.

وهذا تحديدًا ما يجعل الحرب الاقتصادية امتدادًا للحرب العسكرية.

لكن هناك بعدًا آخر لا يمكن تجاهله: واشنطن.

إيران تدرك جيدًا أن إقليم كردستان يحتل موقعًا حساسًا في الحسابات الأمنية الأمريكية داخل العراق، وأن وجود الولايات المتحدة وعلاقاتها مع حكومة الإقليم يجعل أربيل جزءًا من شبكة المصالح الأمريكية في المنطقة.

ولهذا يمكن قراءة الضربات على أربيل باعتبارها تحمل رسالتين متوازيتين.

الأولى موجهة إلى كردستان: لا تقتربوا أكثر من الولايات المتحدة، ولا تجعلوا الإقليم منصة متقدمة للمصالح الأمريكية.

والثانية موجهة إلى واشنطن: نستطيع الوصول إلى حلفائكم ومناطق نفوذكم، حتى داخل الأراضي العراقية.

وبذلك تصبح كردستان، من دون أن تختار ذلك، جزءًا من حرب الرسائل بين قوتين كبيرتين.

لكن المشكلة الأكثر حساسية تتمثل في المعارضة الكردية الإيرانية الموجودة في الإقليم. فطهران تعتبر وجود الأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة في مناطق قريبة من حدودها تهديدًا لأمنها القومي، وتضغط منذ سنوات على بغداد وأربيل لمعالجة هذا الملف.

وفي عام 2023، وقعت بغداد وطهران اتفاقًا أمنيًا بشأن الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة، وتضمن الاتفاق التزامات تتعلق بنزع السلاح وإبعاد هذه الجماعات عن المناطق الحدودية.

وهنا يجب التفريق بوضوح بين مسارين.

إذا كانت إيران ترى أن جماعة مسلحة داخل الأراضي العراقية تشكل تهديدًا لأمنها، فمن حقها أن تطرح هذا الأمر على الحكومة العراقية، وأن تطالب بتنفيذ الاتفاقات الأمنية الموقعة بين الدولتين.

لكن ليس من حقها أن تجعل من هذا الملف ذريعة دائمة لتجاوز الحدود العراقية وتنفيذ ضربات داخل أراضي دولة ذات سيادة.

هناك فرق بين الاتفاق الأمني وبين العمل العسكري الأحادي.

الأول تحكمه الدبلوماسية والقانون والاتفاقات الدولية.

أما الثاني فيضع مبدأ السيادة العراقية أمام اختبار حقيقي.

وهنا يأتي السؤال الأصعب: أين تقف بغداد؟

كردستان، وفق الدستور العراقي، جزء من الدولة العراقية. وإذا كانت أرض الإقليم عراقية، فإن سماء أربيل عراقية، وحماية الحدود والمجال الجوي والمؤسسات الحكومية ليست مسؤولية أربيل وحدها، بل مسؤولية الدولة العراقية.

ولذلك لا يمكن للحكومة الاتحادية أن تتعامل مع أي هجوم على أربيل وكأنه مجرد نزاع بين إيران وحزب كردي إيراني معارض.

عندما تكون الضربة موجهة إلى مؤسسة حكومية في الإقليم، فإنها تمس الدولة العراقية نفسها.

ولهذا فإن الاكتفاء ببيان إدانة لم يعد كافيًا.

العراق بحاجة إلى موقف سيادي واضح يعلن أن أرض العراق وسماءه ليستا ميدانًا لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية.

لا إيران تملك حق استخدام المجال العراقي لضرب خصومها، ولا الولايات المتحدة، ولا أي دولة أخرى.

وإذا كانت هناك جماعات مسلحة أو تنظيمات معارضة تستخدم الأراضي العراقية بطريقة تهدد أمن دولة مجاورة، فالمسؤولية تقع على الحكومة العراقية لمعالجة الملف عبر القنوات الأمنية والدبلوماسية، لا عبر السماح بتحويل الحدود إلى خطوط مفتوحة للصواريخ والمسيّرات.

إن استمرار هذه المعادلة يضع العراق أمام خطر أكبر من مجرد الخروقات الحدودية. إنه يهدد بتحويل العراق إلى ساحة مفتوحة للحروب بالوكالة، تصبح فيها كردستان صندوق بريد عسكريًا بين طهران وواشنطن.

وهذا ما ينبغي رفضه بوضوح.

كردستان لا تريد الحرب مع إيران، ولا تريد أن تكون جزءًا من المواجهة الأمريكية الإيرانية، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تقبل أن تصبح أرضها ساحة لتبادل الرسائل بالنار.

المطلوب اليوم ليس من كردستان أن تختار طرفًا في الحرب، بل من جميع الأطراف أن تحترم قرارها بعدم الانخراط فيها.

والمطلوب من بغداد تحديدًا أن تنتقل من لغة البيانات إلى فعل السيادة؛ من الإدانة بعد وقوع الضربة إلى القدرة على منع تكرارها.

فالدولة التي لا تستطيع حماية سماء أربيل، ولا منع اختراق حدودها، ستجد صعوبة في إقناع العالم بأنها تملك وحدها قرار الحرب والسلام.

وفي النهاية، لا تحتاج كردستان إلى حرب جديدة.

لقد دفعت ما يكفي من الدماء ثمنًا لحروب الآخرين.

ما تريده ببساطة هو أن تعيش بأمان، وأن تبني اقتصادها، وتحمي مؤسساتها، وتقرر مستقبلها السياسي ضمن العراق، بعيدًا عن الصواريخ والمسيّرات والحسابات الإقليمية.

كردستان ليست ساحة حرب بين طهران وواشنطن.

ومن يريد أن يخوض حربه، فليخضها بعيدًا عن أرض العراق وسماء العراق ودماء العراقيين!!

قد يعجبك ايضا