الدکتور سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ، المانیا
في أدبيات العلاقات الدولية والعلوم السياسية المعاصرة، لم تعد قوة الكيانات السياسية تقاس حصراً بالقدرات العسكرية التقليدية أو الوفرة الاقتصادية، بل غدت الشرعية المؤسسية ومدى فاعلية السلطات التشريعية يمثلان حجر الزاوية في بناء القوة الناعمة، وتوسيع هوامش المناورة الجيوسياسية في النظام الدولي.
وضمن هذا المنظور العلمي، يبرز إقليم كوردستان ككيان دستوري فيدرالي معترف به رسمياً، يمتلك بنية مؤسسية سيادية متكاملة الأركان (رئاسة، حكومة، برلمان، ومجلس قضاء).
وقد نجح الإقليم، عبر عقود من الديناميكية السياسية، في فرض حظوته الدبلوماسية بصفته شريكاً استراتيجياً موثوقاً للمجتمع الدولي في ملفات الأمن والاستقرار الإقليمي وإمدادات الطاقة.
ومع ذلك، فإن التحولات المتسارعة في البيئتين الإقليمية والدولية تفرض على الإقليم تعزيز ركائز المؤسساتية السيادية وتحصين جبهته الداخلية.
من هنا، يكتسب تفعيل عمل البرلمان الكوردستاني، وتثبيت دوره التشريعي والرقابي، أهمية استراتيجية قصوى ليس بوصفه استحقاقاً نظامياً داخلياً فحسب، بل كضرورة حتمية لتعزيز تموضع الإقليم في البيئة الدولية وتأكيد عمقه الدستوري.
أولاً: مبادرات الرئيس مسعود بارزاني من أجل التوافق السياسي كرافعة للمأسسة التشريعية
لا يمكن قراءة المشهد المؤسسي في إقليم كوردستان بمعزل عن التوازنات السياسية الداخلية. وهنا تبرز الأهمية الإستراتيجية للمبادرات التاريخية والمستمرة التي يقودها الرئيس مسعود بارزاني لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء السياسيين، ولا سيما الحزبين الرئيسيين (الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني). إن هذه المبادرات تعكس رؤية إستراتيجية عميقة تدرك أن التوافق السياسي هو الرافعة الأساسية لتفعيل المؤسسات الدستورية، وفي مقدمتها البرلمان.
إن جهود الرئيس بارزاني في تذليل العقبات ورأب الصدع بين القوى السياسية تمثل الممهد الحقيقي لمنح البرلمان الكوردستاني القوة السياسية اللازمة ليمارس أدوار السيادة والتشريع، وتحويل التوافقات السياسية إلى أطر قانونية مؤسسية تعزز وحدة الإقليم أمام العالم.
ثانياً: تعزيز الشرعية الديمقراطية في مواجهة التحديات الإقليمية
تشير المدرسة المؤسساتية في العلاقات الدولية إلى أن البيئة الدبلوماسية العالمية – ولا سيما العواصم الكبرى والمنظمات الدولية – تميل بنيوياً إلى توطيد علاقاتها مع الكيانات الفيدرالية التي تبدي التزاماً راسخاً بمبدأ الفصل بين السلطات والتداول السلمي للسلطة عبر مؤسساتها التشريعية. إن وجود برلمان كوردستاني فاعل ونشط يقدم للإقليم غطاءً شرعياً مؤسسياً يحصنه أمام أي محاولات إقليمية لتهميش دوره أو التشكيك في تجربته الإدارية.
في المقابل، فإن استدامة ودورية عمل هذه المؤسسة التشريعية يقطع الطريق على أي محاولات لتصوير الإقليم خارج إطاره المؤسسي الدستوري المتقدم.
ثالثاً: مأسسة الخطاب الدبلوماسي وتوحيد رؤية الأمن القومي
من الناحية الاستراتيجية، يمثل البرلمان الكوردستاني الساحة القانونية والمظلة الوطنية الأسمى التي تصب فيها كافة التوجهات السياسية لصياغة رؤية موحدة للأمن القومي. عندما يصدر الموقف الدبلوماسي للإقليم – سواء تجاه الأزمات الإقليمية أو نمط العلاقات مع القوى الكبرى – من تحت قبة البرلمان ممثلاً لإرادة شعب كوردستان بجميع مكوناته، فإنه يكتسب ثقلاً قانونياً وسياسياً جاداً في المحافل الدولية. هذا التماسك المؤسسي يمنع الأطراف الخارجية من محاولة استغلال التباينات السياسية الداخلية لإضعاف الموقف العام للإقليم أو اختراق جبهته السياسية.
رابعاً: تقوية الموقف التفاوضي مع الحكومة الاتحادية في بغداد
وفقاً لنظرية “المباريات ذات المستويين” (Two-Level Games) في التفاوض الدولي، فإن المفاوض يمتلك موقفاً أقوى بكثير على طاولة المفاوضات الخارجية (المستوى الأول) إذا كان يستند إلى جبهة تشريعية متماسكة ومؤسسات دستورية قوية في الداخل (المستوى الثاني).
إن تفعيل البرلمان الكوردستاني يمنح سلطات الإقليم ورقة ضغط قانونية ودستورية هائلة في الحوار مع بغداد؛ فالقوانين والقرارات التي يقرها البرلمان بشأن الموازنة، الثروات الطبيعية، والمناطق المشمولة بالمادة 140، تتحول من مجرد مطالب سياسية حزبية إلى التزامات تشريعية يفرضها ممثلو الشعب، مما يجبر الحكومة الاتحادية – والمجتمع الدولي الراعي للاتفاقات – على التعامل معها بجدية واحترام أكبر لخصوصية الإقليم الفيدرالية.
خامساً: تفعيل “الدبلوماسية البرلمانية” كقناة موازية ومستدامة
تعتمد العلاقات الدولية للإقليم في جزء منها على الروابط الدبلوماسية الحكومية والقيادية. ورغم أهميتها الكبيرة، إلا أن نمط العلاقات الدولية المعاصر يتطلب تفعيل قنوات موازية ومستدامة تُعرف بـ “الدبلوماسية البرلمانية” – وهو الموضوع الذي أفردنا له كتاباً علمياً باللغة الكوردية معداً للنشر قريباً.
إن وجود برلمان فاعل يتيح تشكيل وتفعيل لجان صداقة برلمانية متينة مع البرلمانات العالمية المؤثرة (مثل الكونغرس الأمريكي، البرلمان الأوروبي، وبرلمانات الدول الإقليمية والأوروبية). هذه الروابط المؤسسية (بين برلمان وبرلمان) تضمن بقاء دعم تلك الدول واستراتيجياتها تجاه إقليم كوردستان ككيان دستوري ثابت، وبما يضمن ديمومة الدعم الدولي بمنأى عن المتغيرات السياسية العابرة أو تبدل الإدارات الحكومية.
ختاماً، إن إقليم كوردستان يقف اليوم أمام استحقاق تاريخي يعزز مكانته الدستورية والسياسية، لذا فإننا نرى أن تفعيل برلمان كوردستان هو عملية “إعادة تموضع استراتيجي” على رقعة الشطرنج الدولية، وتأكيد صريح على نضوج المؤسسات السيادية للإقليم.
إن برلماناً قوياً يمارس مهامه كاملة، مسنوداً بمبادرات جهود حثيثة لتوحيد الصف الداخلي، هو الرسالة الأبلغ التي يمكن لكوردستان أن يوجهها للعالم بأن الإقليم كيان دستوري ديمقراطي راسخ، يمتلك المقومات المؤسسية الذاتية والشرعية القانونية التي تؤهله لحماية مكتسباته، وتطوير مكانته المرموقة في المجتمع الدولي.