بدل رفو
يد تضمدُ ويدٌ تغدر: حين يُعيدُ الغريبُ رسمَ خارطةِ قلبي الذي مزّقهُ القريب
بينما كنتُ أغادرُ صخبَ أحدِ مراكزِ التسوقِ في “غراتس”، المدينةِ التي صارت لي وطناً وذاكرة، باغتتني الحياةُ بلقاءٍ لم يكن في الحسبان. شابٌ يندفعُ نحوي بكلِّ طاقةِ الحبِّ، يغمرني بعناقٍ دافئٍ يختصرُ مسافاتِ الزمن، ملامحُ وجههِ تفيضُ بطيبةٍ نادرة، وقلبٍ يفيضُ بروحٍ من ذوي الهممِ العالية.
سألني بلهفةِ الصغيرِ الذي التقى بمعلّمِه: “ألا تذكرني؟”.
وقفتُ حائراً، لكنَّ قلبهُ كان ذاكرةً لا تصدأ. قال لي: “قبل عشرين عاماً في ‘Andritz’، كنتُ معك، دعوتني على ‘موطا’ (آيس كريم)، وحدثتني بشغفٍ عن أفلام الكاوبوي، عن ‘ترانس هيل’ و’بود سبنسر’. تلك الجلسةُ البسيطةُ لم تكن مجردَ عابرةٍ في حياتي، لقد زرعت فيّ حباً وامتناناً لا يمحوه الزمن، لدرجة أني وشمْتُ صورَ أبطالِنا على يديَّ تخليداً لتلك اللحظة”.
في تلك اللحظة، شعرتُ بدموعِ الامتنانِ في عينيه، وبصدقٍ جعلَ العالمَ يتوقفُ عن الدوران. كان يعانقني وكأنه يعانقُ ذكرياتِ طفولتِه، ويعدني بأنَّ اللقاءَ لن يغيبَ عشرين عاماً أخرى.
بينما كانت يداه تمسكان بيديّ، جالَ في خاطري تضادُّ القدر فبينما استعدتُ في هذا الغريبِ معنى الوفاء، تذكرتُ وجعي ، وطعنةَ غدرٍ من شخصٍ اعتبرته يوماً أقربَ من الروح، ليضيعَ معه عمرٌ من الثقة.
لقد علمني هذا الشابُ النبيلُ درساً بليغاً: أنَّ أثرَ “الموطا” البسيطةِ قد يبقى أطولَ بكثيرٍ من أثرِ الجروحِ التي نلناها ممن أحببنا. إنَّ الطيبةَ هي العملةُ الوحيدةُ التي لا تخسرُ قيمتها، وهي الجسرُ الذي يعيدُ لنا إيماننا بالإنسانية، حتى في أقصى لحظاتِ الانكسار.
شكراً لك أيها الشابُ الاستثنائي، لقد كنتَ البلسمَ الذي مسحَ على روحي، وأثبتَّ لي أنَّ الغريبَ قد يكون أقربَ للقلبِ من كلِّ الذين خذلونا.
أطال اللهُ عمرَ الغريبِ الذي صانَ مودتي، وأودعتُ القريبَ الذي خذلني لعدالةِ ربّي…فاللهُ في هذا وذاك هو الحَكَمُ والمُستعان.