كتابة و اعداد / دلزار اسماعيل رسول
مما لفت انتباهي اثناء زياراتي لمصر، وجود الكثير من الكلمات الكوردية التي تتطابق معانيها مع دلالاتها في اللهجة المصرية، و أسماء اماكن و قرى تطلق عليها اسماء (الكوردي) بصورة جلية، و أيضا الملابس التي كان القادة يلبسونها كانت ملابس كوردية بحتة مثل القائد (لوظوغلي) و أيضا ملابس تماثيل محمد علي باشا في متحف قلعة صلاح الدين الايوبي، مما دفعني لجمع المعلومات عن هذا الموضوع منذ ذاك الحين…لاسيما أن هناك مما أثار حزني و أسفي….. أنني حينما أخبرهم أن الملابس التي يرتديها أولئك العظماء هي الزي الكوردي الرسمي يبدي موظفوا المتاحف عدم معرفتهم بالشعب الكوردي الاصيل الذي تجاوز انجازاتهم من أقاصي الارض و مغاربها ، ولكن مع الاسف لا يجمعهم رقعة جغرافية تكون موطناً لهم لذلك غدوا متفرقين في مشارق الارض و مغاربها ، ولا يجمعهم الهوية و اللغة و العَلَم.
تُعد عملية الاستقرار و التوطن واحدة من أقدم الظواهر البشرية التي رافقت الإنسان منذ فجر التاريخ، وهي تمثل الدافع الفطري للمجموعات الإنسانية في البحث عن موطئ قدم جديد يضمن لها الاستقرار والنماء. وتتمثل هذه الظاهرة في انتقال الأفراد أو الجماعات من بيئتهم المعتادة إلى مناطق جغرافية أخرى، واتخاذها وطناً مستقراً ومقاماً دائماً.
إن جوهر هذا الاندماج التأريخي يقوم على فكرة “التعمير والبناء”؛ حيث يبدأ الإنسان بتطويع البيئة المحيطة به، وإنشاء المساكن، وتطوير الأنشطة الزراعية والتجارية، مما يسهم في تحويل المساحات الفضاء إلى مراكز حضارية واجتماعية منظمة. وبذلك، لا يقتصر الاستيطان على مجرد الانتقال الجغرافي، بل يمتد ليكون عملية بنائية تؤسس لولادة مجتمعات جديدة، وتكامل اجتماعي واقتصادي يربط الإنسان بالأرض التي اختار العيش فوقها…
يعتبر الوجود الكوردي في مصر نموذجاً تاريخياً فريداً للاستقرار والاندماج؛ إذ لم يكن يوماً استيطاناً بمعناه الانعزالي، بل كان انتقالاً جغرافياً وعملية تعمير وبناء انصهر خلالها الكورد تماماً في النسيج المجتمعي المصري، ليصبحوا جزءاً لا يتجزأ من هوية مصر وثقافتها، مع احتفاظ الذاكرة التاريخية بأصولهم العريقة….
فيما يلي استعراض شامل لتاريخ ومراحل هذا الاستقرار الكوردي في وادي النيل:
أولا :_الجذور التاريخية الأولى (ما قبل الإسلام(
تعود الروابط الأولى بين مصر وموطن الكورد القديم إلى عهد الفراعنة، وتحديداً في عهد الدولة الحديثة (القرن الرابع عشر قبل الميلاد). حيث توثق رسائل “تل العمارنة” العلاقات الدبلوماسية والمصاهرات الملكية بين الملوك الفراعنة (مثل تحتمس الرابع وأمنحوتب الثالث) وبني “ميتان” (الدولة الميتانية)، والذين يجمع المؤرخون على أنهم من الأجداد الأوائل للشعب الكوردي.
ثانيا:_العصر الإسلامي المبكر والفاطمي
بدأ التدفق الفعلي للكورد نحو مصر يأخذ طابعاً مستقراً بعد الفتوحات الإسلامية، وتعاظم دورهم كقادة عسكريين، ورجال إدارة، وفقهاء. وفي العهد الفاطمي، برزت قامات كوردية تولت أعلى المناصب القيادية، مثل الأمير أحمد بن ضحاك، والوزير أبو الحسن سيف الدين بن سالار (وزير الدولة الفاطمية)، الذي أسس مدرسة للشافعية في الإسكندرية وعمّر المساجد.
ثالثا:_ العصر الذهبي: الدولة الأيوبية (نقطة التحول الكبرى)
شهد عام 1171م المنعطف الأبرز في تاريخ الاستقرار الكوردي بمصر، بتأسيس الدولة الأيوبية على يد القائد صلاح الدين الأيوبي.
الاستقرار والتعمير: جاءت مع صلاح الدين قبائل وعائلات كوردية ضخمة (مثل عشائر القيمرية، الهدبانية، والزرزائية). استقرت هذه العائلات في القاهرة وبقية المحافظات، وساهمت في بناء القلاع (كقلعة صلاح الدين)، والمدارس، والمستشفيات (البيمارستانات).
الانصهار السكاني: مع مرور العقود، تزايدت المصاهرات والزيجات بين الكورد والمصريين، وذاب الدم الكوردي في النسيج المصري الاجتماعي بصورة كاملة.
رواق الكورد في الأزهر: لتعزيز الاستقرار الثقافي والعلمي، خُصص في الأزهر الشريف جناح دائم عُرف بـ “رواق الكورد”، والذي أنشئ بأوقاف كريمة (منها أوقاف الأميرة الكوردية خاتون خان)، وظل لقرون منارة لطلاب العلم الوافدين من كوردستان.
رابعاً:_العصر الحديث: أسرة محمد علي باشا
تشير العديد من الوثائق والمصادر التاريخية (ومنها شهادات أحفاد الأسرة العلوية في منتصف القرن العشرين) إلى أن محمد علي باشا الكبير، مؤسس مصر الحديثة، يعود في أصوله البعيدة إلى كورد ديار بكر الذين انتقلوا سابقاً إلى مقدونيا. وبغض النظر عن النقاشات التاريخية، فإن فترة حكمه والقرن التاسع عشر شهدا هجرات كوردية جديدة إلى مصر دافعها طلب العلم، العمل السياسي، والهروب من الاضطهاد العثماني.
أثر الوجود الكوردي في الجغرافيا والثقافة المصرية
أولاً: أسماء المواقع والجغرافيا
ترك الاستقرار الكوردي بصمته على الخريطة المصرية؛ حيث توجد حتى اليوم قرى ومناطق تحمل أسماءهم دلالة على وجودهم القديم فيها، ومنها:
كفر الأكراد ومنية الكوردي وبلدة الكوردي في الدقهلية (الدلتا).
بني زيد الأكراد وجزيرة الأكراد في محافظة أسيوط (صعيد مصر).
حي الزمالك: تشير بعض الدراسات التاريخية (مثل أبحاث الدكتورة درية عوني) إلى أن تسمية حي “الزمالك” العريق في القاهرة مستوحاة من كلمة كوردية قديمة تعني (أكواخ أو مصيف الملوك)، حيث كان مكاناً للنزهة في العصر الأيوبي.
ثانياً: النخبة الفكرية والفنية.
لم يعش الكورد في مصر كأقلية معزولة، بل تَمَصّروا وأصبحوا من رواد النهضة الفكرية والفنية لـ “أم الدنيا”. لذلك برز العائلات والشخصيات المصرية ذات الأصول الكوردية.
فلقد امتد الأثر الكوردي الحاسم في وجدان مصر وصياغة نهضتها الحديثة من خلال نخب فكرية وأدبية وفنية لمعت أسماؤها في سماء الشرق، ولم يعش هؤلاء كأقلية معزولة بل تَمَصّروا قلباً وروحاً، فغدوا من رواد التنوير وصناع الثقافة العربية.
في رحاب الترتيل القرآني، صدح صوت قيثارة السماء الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، الذي تعود جذور عائلته إلى الكورد الذين استقروا في صعيد مصر، ليبقى صوته آية من آيات الخلود وثيقة الصلة بهذا الاندماج التاريخي الفريد.
وفي طليعة الأعلام، برز في الفكر والإصلاح الإمام المصلح محمد عبده الذي قاد حركة تجديد الفكر الإسلامي، ومحرر المرأة قاسم أمين الذي أحدث ثورة اجتماعية شجاعة، والمفكر الموسوعي أحمد أمين صاحب “فجر الإسلام”. وفي عالم الأدب والبيان، تربع أمير الشعراء أحمد شوقي على عرش الشعر العربي الحديث مفاخراً بأصوله، وجاوره في القمة أديب الفلاسفة عباس محمود العقاد، إلى جانب عائلة تيمور الأدبية التي رفدت المكتبة العربية بقامات رفيعة كأديبة النيل عائشة التيمورية والروائي رائد القصة القصيرة محمود تيمور.
ولم يكن الفن المصري بمنأى عن هذا العطاء؛ إذ تجلى الإبداع الكوردي في أبهى صوره من خلال سندريلا الشاشة العربية سعاد حسني وشقيقتها قيثارة الشرق نجاة الصغيرة، واللتين تنحدران من بيت خطاط الشام الشهير محمد حسني البابا. وفي عالم الإخراج وصناعة السينما، وضع المخرج الكبير أحمد بدرخان وابنه المبدع علي بدرخان بصمة لا تُمحى في تاريخ السينما الواقعية، يرافقهم في مسيرة النجومية فنانون كبار طبعوا الوجدان المصري بخفة ظلهم وعمق أدائهم مثل أحمد رمزي، وفتى الشاشة الشرير عادل أدهم، والقدير صلاح السعدني.
إن قصة الكورد في مصر هي قصة “تعايش وإنتاج”؛ فقد وفدوا كبُناة وقادة، وانصهروا حباً في الأرض التي سكنوها، فقدموا لها أثمن ما يملكون، وغدوا جزءاً أصيلاً من تاريخ مصر الحديث والقديم.
ولكن يبقى مأساة الكورد عبر الازمان …وهي طمس هويتهم و تعرضهم الى الابادة و التعريب و التتريك و التفريس على أرضهم ، لكي يذاب هذا الشعب رغما عنه في بوتقة انصهار الشعوبيين و مغتصبي أراضي الكورد منذ فجر التاريخ….فهل من منقذ ؟ّ!