شيرزاد نايف/ دهوك
يكشف التقرير الاستخباري الصادر عن موقع “أكسيوس” والموثّق في منشور “الشمس نيوز” عن كواليس تحركات دبلوماسية سرية للغاية تجلّت في استعانة إدارة ترامب بـ نيجيرفان بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، لتأسيس “قناة خلفية” مباشرة ومشفّرة مع القيادة العليا لـ الحرس الثوري الإيراني ممثلة بالجنرال أحمد وحيدي، وذلك عقب انسداد المسارات الرسمية وتعثر المفاوضات العلنِيّة وتصاعد الشكوك الأمريكية حول مدى صلاحية الوفد الإيراني المفاوض في اتخاذ القرار، حيث ابتدأ هذا المسار في العاشر من مايو بتواصل مباشر من مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية تولسي غابارد ببارزاني لطلب فتح خط اتصال أمني مباشر مع قيادة الحرس الثوري، ليعقبه في الرابع عشر من الشهر ذاته وصول مسؤول إيراني إلى أربيل يحمل هاتفاً مشفراً لإجراء الاتصال الأمني الذي بادرت فيه واشنطن عبر بارزاني بطرح تساؤل استراتيجي حاسم حول رغبة طهران في الحل التفاوضي، وهي الرسالة التي نقل بارزاني إجابتها الإيجابية مباشرة إلى البيت الأبيض مقترحاً قمة سرية في أربيل تفادياً للتصعيد، وعلى الرغم من التحفظ الإيراني على مكان الاجتماع لمخاوف أمنية وتزايد نفوذ الحرس الثوري في صناعة القرار الإيراني وتوليه الملفات الخارجية الحساسة، يظل بارزاني نقطة الاتصال الأكثر موثوقية واحتكاماً وقت الأزمات بحسب شهادة بريت ماكغورك التي وصفته بـ “الحل الواقعي والشخص الذي يُتصل به وقت الشدة”، وبقراءة هذا المشهد عبر منظار العلوم السياسية والفلسفة الاستراتيجية، نجد أننا أمام نموذج متكامل لما يُعرف بـ “دبلوماسية القنوات الخلفية” التي تقتضيها “نظرية الألعاب” لحل “معضلة السجين” وانعدام الثقة الهيكلي، حيث يعجز الاتصال المباشر العلني نتيجة الحرج السياسي أمام الرأي العام الداخلي، فيبرز الوسيط “غير الثنائي” كضرورة رياضية وسياسية لنقل الرسائل وتخفيف الصدمات دون تحمل تكلفة التراجع المعلن، متقاطعة في ذلك مع “فلسفة المكان” التي تحول أربيل من مجرد جغرافيا إلى “مساحة ثالثة” تتسامى على الثنائيات الصلبة وتحقق التوازن بين الحلف الأمريكي والأمني القومي الإيراني، إضافة إلى الأبعاد السوسيولوجية للرأس مال الاجتماعي والنفسي الذي يمتلكه بارزاني بفعل إتقانه الفارسية وعيشه في إيران وفهمه للسانها المفهومي والأيديولوجي مما يجعله “مترجماً استراتيجياً” يعيد صياغة الرسائل العنيفة والإنذارات الاستخباراتية إلى لغة تفاوضية قابلة للهضم، ليتأكد في النهاية عبر تجربة هذه القناة السرية أن القوة الحقيقية في الشرق الأوسط لا تكمن دائماً في امتلاك الترسانات الصاروخية والقواعد العسكرية، بل في امتلاك “العُقدة النادرة” في شبكة العلاقات الدولية، وأن الساسة الحقيقيين هم مهندسو الظلال الذين يتقنون بناء الجسور غير المرئية لحماية الإقليم من الانفجار الكبير.
قد يعجبك ايضا