الضباط الكورد الأربعة من ظلم الملكية إلى إنصاف الجمهورية

أ.د.خليل مصطفى عثمان

في التاسع عشر من حزيران عام 1947، ارتكب النظام الملكي العراقي جريمة سياسية كبرى بإعدامه الضباط الكورد الأربعة: محمد محمود قدسي، ومصطفى خوشناو، وخير الله عبد الكريم، وعزت عبد العزيز، وذلك بعد محاكمة عسكرية صورية تلت عودتهم إلى العراق بناءً على وعود بعفو ملكي تم الغدر به، إثر مشاركتهم في إسناد جمهورية كوردستان .
لقد صعد هؤلاء الأبطال إلى المشانق برؤوس مرفوعة، ليمثل ذلك اليوم محطة مفصلية تحولت في الوجدان القومي إلى “يوم الشهيد الكوردي”، ورمزاً للنضال المستمر ضد الظلم والاضطهاد. هذا المنعطف التاريخي شهد مراجعة رسمية لافتة بعد قيام النظام الجمهوري إثر ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958، حيث أقدمت حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم على خطوة شجاعة تمثلت في رد الاعتبار لهؤلاء الضباط، واعتبارهم شهداء من أجل الوطن، مع منح عائلاتهم رواتب تقاعدية تكريماً لتضحياتهم، وهو ما شكّل اعترافاً صريحاً ورسمياً من الدولة العراقية بعدالة قضيتهم وبالظلم الذي ألحقته الحقبة الملكية بالشعب الكوردي.
ورغم الأهمية البالغة لهذا الاعتراف المبكر، فإن الحكومات المتعاقبة في تاريخ العراق الحديث لم تستثمر تلك الخطوة بالشكل الأمثل لبناء سلام واستقرار مستدامين، بل تكررت الصراعات وأخطاء الماضي نتيجة الاعتماد على سياسات الإنكار والتهميش التي لم تجلب للبلاد سوى الحروب والدمار. إن درس هذه الحادثة يضع حكومات اليوم أمام مسؤولية تاريخية لاستلهام هذا النفس الشجاع وتحويل الاعتراف بالخطأ إلى سياسات عملية تتجاوز مجرد التعويضات المادية والرواتب، من خلال مأسسة العدالة الانتقالية ودمج تاريخ التضحيات المشتركة في المناهج الدراسية الوطنية ليتعلم الجميع أن الظلم الواقع على أي مكون هو إضعاف للوطن بأكمله. كما تبرز الحاجة الملحة اليوم لإدراك أن الاعتراف بالحقوق يمنح الدولة القوة والاستقرار ولا يضعفها، وأن الحلول الدائمة للملفات العالقة لا تأتي من وعود مؤقتة أو توازنات سياسية متغيرة، بل من خلال بناء ثقة حقيقية محمية بالدستور والقوانين، ومبنية على منطق الشراكة والعدالة والالتزام بالعهود، بعيداً عن عقلية الغالب والمغلوب التي دفعت البلاد ثمنها غالياً على مر العقود.

قد يعجبك ايضا