فراس الحمداني .
ما الذي يجعل مدينة كاملة تبكي طفلة لم تعش فيها ولا يوما واحدا” ولم تجلس في ساحاتها ولم تعرف أسماء شوارعها ولا وجوه أهلها .. بل ربما لا تعرف فاجعتها وحجم المآسي التي مرت فيها ؟
وما الذي يدفع الناس هناك للبحث لترك اعمالهم وامو حياتهم لعشرة ايام متتالية للبحث تحت الماء وبين الصخور الوعرة والخطرة وفي كل مكان عن جثمان طفلة غرقت حين جائت للمدينة برحلة سياحية ؟
وما الذي دفعهم للوقوف صامتين أمام نعش صغير وكأنهم يودعون ابنة لكل بيت وأخت لكل طفل وحلم انطفأ قبل أن يكتمل ؟
ربما لأن بعض القصص تتشابه كثيرا” ولا تخص أصحابها وحدهم بل وقد تتحول إلى مرآة يرى فيها الناس إنسانيتهم وهي تختبر في أصعب اللحظات .
هكذا كانت قصة الطفلة الكربلائية رقية .. التي لم تكن مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار ولا رقما جديدا يضاف إلى سجل المآسي بل كانت وجها بريئا أعاد تذكير الجميع بأن الحزن لا يعرف لغة ولا قومية ولا حدودا جغرافية .
حين وصلت رقية إلى حلبجة لم تكن تحمل معها ألعابها الصغيرة ولا أحلامها المؤجلة لكنها كانت تحمل معها قدرها المحتوم وحين رحلة محمولة على أكتاف المحبة والرحمة و معها وجع أسرة فقدت قطعة من قلبها ومعها أيضا امتحان ودرس جديد للضمير الإنساني .. وكان أهالي حلبجة على موعد مع هذا الامتحان الذي نجحوا فيه بامتياز .
خرجوا لاستقبال نعش الطفلة رقية كما لو كانت ابنتهم واحتضنوا حزن عائلتها كما لو أنه حزنهم الشخصي وقدموا صورة نادرة لمعنى التضامن الإنساني حين يكون صادقا وخاليا من الحسابات والمصالح في مشهد مهيب يسهد له العالم اجمع بالامسانية وتجلياتها .
في تلك اللحظات لم يكن أحد يسأل من أين جاءت رقية ولا إلى أي مدينة تنتمي .. ولم يكن هناك متسع لأي عنوان اخر غير عنوان الحزن الموحد والخزن المتجدد في الذاكرة منذ الفاجعة وكأن رقية احدى بناتها في السنين الخالية ..
لقد أثبتت حلبجة مرة أخرى أنها مدينة لا تختزن الألم في ذاكرتها فقط بل تعرف أيضا كيف تحول ذلك الألم إلى رحمة وكيف تجعل من أحزان الآخرين جزءا من وجدانها .
رحلت رقية لكن قصتها بقيت .. نعم .. بقيت شاهدة على أن الإنسان ما زال قادرا على الانتصار لقيم الخير وسط عالم يزداد قسوة يوما بعد آخر .
وبقي موقف أهالي حلبجة يجسد رسالة تقول إن أعظم ما يمكن أن يتركه البشر خلفهم ليس الأبنية ولا الأموال ولا المناصب بل الأثر الطيب في قلوب الآخرين .
أما رقية فقد مضت إلى رحلتها الأخيرة تاركة خلفها دموعا كثيرة لكنها تركت أيضا درسا كبيرا مفاده أن العمر لا يقاس بعدد السنوات بل بقدرة الإنسان على أن يوقظ في الآخرين أجمل ما فيهم ..
وداعا رقية .. لقد كان وداعك الأخير أكبر من حكاية طفلة غرفت في نهر صغير وأعمق من خبر عابر حادثة عابرة وأبقى من لحظة حزن مؤقت .. كان وداعا أعاد إلينا الإيمان بأن الإنسانية ما زالت بخير .. وان الوداع الاخير كان درسا” لن ننساه .