جميل نصيف التكريتي.. ناقدٌ جسَرَ بين الثقافة العربية والآداب العالمية

محمد علي محيي الدين

حين يُذكر جيل الرواد الذين أسهموا في ترسيخ الدراسات الأدبية الحديثة في العراق والعالم العربي، يبرز اسم الدكتور جميل نصيف التكريتي بوصفه واحداً من أبرز الأكاديميين والنقاد الذين كرّسوا حياتهم للعلم والمعرفة والترجمة والبحث الأدبي. فقد امتدت مسيرته لأكثر من سبعة عقود، تنقل خلالها بين قاعات الدرس الجامعي، ومراكز البحث العلمي، والمنتديات الثقافية، حاملاً مشروعاً معرفياً متكاملاً هدفه توسيع آفاق الدرس الأدبي العربي وربطه بالمنجز الإنساني العالمي، ولاسيما ما أنتجته المدارس النقدية والأدبية الروسية التي تخصص فيها وأفاد منها أجيالاً من الطلبة والباحثين.
وُلد جميل نصيف التكريتي في مدينة تكريت عام 1929، في بيئة عراقية محافظة كانت تنظر إلى التعليم بوصفه سلماً للارتقاء الاجتماعي والثقافي. وفي أزقة المدينة وفضاءاتها الأولى تشكل وعيه المبكر، فأنهى دراسته الابتدائية والثانوية فيها، مظهراً شغفاً خاصاً باللغة العربية وآدابها. وكان انتماؤه إلى جيل عاش التحولات الكبرى التي شهدها العراق في النصف الأول من القرن العشرين عاملاً مهماً في تكوين شخصيته الفكرية، إذ أدرك مبكراً أن الثقافة ليست ترفاً فكرياً، بل أداة لبناء الإنسان وتطوير المجتمع.

Screenshot

في عام 1950 التحق بدار المعلمين العالية في بغداد، التي كانت آنذاك من أهم المؤسسات الأكاديمية في العراق وأكثرها تأثيراً في الحياة الثقافية. وهناك وجد نفسه في بيئة علمية خصبة تضم نخبة من الأساتذة والمفكرين، فتعمق في دراسة اللغة العربية وآدابها، وتخرج عام 1954 حاصلاً على شهادة البكالوريوس بدرجة جيد جداً في قسم الشرف، وهي مرتبة أكاديمية عكست تميزه العلمي منذ بداياته.
بدأ حياته المهنية مدرساً في التعليم الثانوي، وسرعان ما لفت الأنظار بكفاءته وانضباطه، فانتقل إلى العمل الإداري معاوناً لمدير معارف بغداد خلال المدة الممتدة بين عامي 1958 و1960. غير أن طموحه العلمي كان أكبر من حدود الوظيفة الإدارية، إذ كان يتطلع إلى مواصلة الدراسة والتخصص في ميادين النقد الأدبي الحديث، فحصل على فرصة علمية مهمة عندما أوفدته وزارة المعارف العراقية إلى الاتحاد السوفييتي لنيل شهادة الدكتوراه.
كانت تلك الرحلة العلمية نقطة تحول مفصلية في حياته. فقد التحق بقسم الأدب الروسي الكلاسيكي في كلية الآداب بجامعة موسكو، إحدى أبرز الجامعات العالمية في الدراسات الإنسانية. وهناك أمضى ما يقرب من سبع سنوات بين الدراسة والبحث والتعمق في النظريات الأدبية والنقدية الحديثة، متعرفاً إلى أعلام الفكر الروسي ومناهجه النقدية ومدارسه الأدبية المختلفة. ولم تكن إقامته في موسكو مجرد تحصيل أكاديمي، بل كانت تجربة ثقافية واسعة أتاحت له الاطلاع المباشر على التراث الأدبي الروسي الذي يعد من أغنى التراثات الإنسانية وأكثرها تأثيراً في الفكر العالمي.
عاد إلى العراق أواخر عام 1967 حاملاً حصيلة معرفية كبيرة، ليبدأ مرحلة جديدة من العطاء العلمي. فتم تعيينه للتدريس في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، حيث أسهم في تدريس الأدب والنقد المسرحي لطلبة قسم الفنون المسرحية، مستفيداً من خبراته الواسعة في الأدب العالمي ونظريات المسرح. وبعد سنوات قليلة انتقل إلى قسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة بغداد، حيث استقر أستاذاً للأدب والنقد حتى تقاعده مطلع عام 2008.
وعلى امتداد ما يقرب من أربعة عقود داخل الجامعة، لم يكن الدكتور جميل نصيف مجرد أستاذ يلقي المحاضرات، بل كان مدرسة فكرية متكاملة. فقد أشرف على عشرات رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه، وشارك في مناقشة أعداد كبيرة من الدراسات الجامعية، وأسهم في إعداد أجيال من الباحثين الذين أصبح كثير منهم أساتذة ونقاداً وأدباء معروفين. كما امتد تأثيره إلى أقسام وكليات وجامعات عراقية عديدة، إذ كانت خبرته العلمية مطلوبة في مختلف المؤسسات الأكاديمية.
ولم يقتصر نشاطه على العراق، بل حمل رسالته العلمية إلى عدد من البلدان العربية. فقد عمل أستاذاً معاراً في الجزائر بين عامي 1973 و1976، وأسهم هناك في تدريس نظرية الأدب والمناهج النقدية الحديثة، كما حاضر في جامعة قسنطينة، وترك أثراً طيباً لدى طلبته وزملائه. وفي تسعينيات القرن الماضي انتقل إلى ليبيا للعمل في جامعة السابع من أبريل، حيث واصل التدريس والبحث العلمي بين عامي 1996 و1999، مؤكداً حضوره الأكاديمي العربي الواسع.
وإلى جانب عمله الجامعي، واصل نشاطه البحثي بلا انقطاع، فأنجز عشرات الدراسات والبحوث التي نشرت في المجلات الأكاديمية والثقافية المتخصصة. وقد تناولت أبحاثه موضوعات متعددة في النقد الأدبي والأدب المقارن والمسرح ونظرية الأدب، وأسهمت في ترسيخ حضوره العلمي، حتى نال مختلف المراتب الأكاديمية وصولاً إلى درجة الأستاذية.
وكان من أبرز إنجازاته العلمية مساهمته في تأليف كتب جامعية أصبحت مراجع أساسية لطلبة الدراسات الأدبية. فقد ألّف كتاب “المذاهب الأدبية” الذي ظل سنوات طويلة من أهم الكتب المعتمدة في تدريس هذا الحقل المعرفي، كما وضع كتاب “الأدب المقارن” الذي أسهم في تعريف الأجيال الجديدة بأصول هذا التخصص وأدواته ومناهجه. أما كتابه “قراءات وتأملات في المسرح الإغريقي” فقد قدم من خلاله قراءة معمقة لجذور الفن المسرحي العالمي، بينما تناول في كتاب “المسرح العربي: ريادة وتأسيس” نشأة المسرح العربي وتطوره وأبرز رواده.
غير أن الجانب الأكثر تميزاً في مشروعه الفكري ربما تمثل في نشاطه الواسع في الترجمة عن اللغة الروسية. فقد أدرك مبكراً أن النهضة الثقافية العربية لا يمكن أن تكتمل من دون التواصل مع منجزات الأمم الأخرى، فكرس جانباً مهماً من جهده لنقل أبرز الأعمال النقدية والأدبية الروسية إلى العربية. ومن خلال ترجماته تعرف القارئ العربي إلى أسماء كبرى في الفكر والنقد والأدب، مثل بوشكين وباختين وبيلينسكي وغيرهم.
وقد حظيت هذه الترجمات باهتمام واسع في الأوساط الأكاديمية العربية، وأعيد نشر بعضها خارج العراق، ولا سيما في بيروت والرباط، الأمر الذي يؤكد قيمتها العلمية والثقافية. ومن بين أبرز أعماله المترجمة “موسوعة نظرية الأدب”، و”نظرية المسرح الملحمي” لبرتولد بريخت، و”شعرية دوستويفسكي” لميخائيل باختين، وهي أعمال أسهمت في توسيع دائرة المعرفة النقدية لدى القارئ العربي.
ولم يكن الدكتور جميل نصيف بعيداً عن النشاط الثقافي العام، فقد شارك في أواخر ستينيات القرن الماضي في الجهود التي أعادت الحياة إلى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، وكان عضواً في هيئته الإدارية ومسؤولاً عن العلاقات الخارجية، فضلاً عن مشاركته الفاعلة في اللجان الثقافية والفنية والأمسيات الأدبية. وقد عرفه الوسط الثقافي محاضراً متمكناً ومناقشاً هادئاً يمتلك قدرة لافتة على الحوار وإثارة الأسئلة الفكرية العميقة.
كما كان من المؤسسين الأوائل لرابطة المقارنين العرب، التي انبثقت عن مؤتمر الأدب المقارن العربي الأول في الجزائر عام 1984. وانتخب أميناً عاماً مساعداً للرابطة، وشارك في مؤتمراتها اللاحقة في دمشق ومراكش، مساهماً في ترسيخ حضور الأدب المقارن بوصفه حقلاً معرفياً مهماً في الجامعات العربية.
وتقديراً لخبرته العلمية، اختير عضواً في العديد من اللجان الثقافية والاستشارية التابعة لوزارة الثقافة العراقية، كما شارك لعقود طويلة في لجان تقويم الأعمال المسرحية وتحكيم المهرجانات الفنية والأدبية. وعندما تأسس مركز البحوث الاستراتيجية في بغداد أُوكلت إليه مهمة الإشراف على قسم الدراسات الأدبية، حيث سعى إلى تنشيط البحث العلمي وتنظيم الندوات والمؤتمرات المتخصصة، ومنها ندوة مهمة حول الرواية العربية المعاصرة شارك فيها عدد من الباحثين العرب.
ورغم تقدمه في السن، ظل وفياً للعلم والثقافة حتى سنواته الأخيرة. فقد أقام في العاصمة البريطانية لندن بعد الظروف العصيبة التي مر بها العراق، لكنه لم ينقطع عن النشاط الفكري. وفي عام 2019 استضافه المقهى الثقافي العراقي في لندن، فقدم وهو في عقده العاشر محاضرة متميزة حول الأدب ومفاهيمه ومناهج تدريسه في الجامعات العربية، أظهرت أن وهج المعرفة لديه لم يخفت رغم مرور الزمن.
وفي الثاني من كانون الأول عام 2023 أسدل الستار على حياة حافلة بالعطاء برحيل الدكتور جميل نصيف التكريتي، بعد أن أمضى أكثر من تسعين عاماً في خدمة الأدب والثقافة والتعليم. وبرحيله فقدت الساحة الثقافية العراقية والعربية واحداً من أبرز نقادها وأساتذتها، غير أن أثره بقي حياً في كتبه وترجماته وبحوثه وفي مئات الطلبة والباحثين الذين نهلوا من علمه.
لقد كان جميل نصيف التكريتي نموذجاً للمثقف الموسوعي الذي جمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الوفاء للتراث والانفتاح على الثقافة العالمية. عاش حياته مؤمناً بأن المعرفة جسر للتواصل بين الشعوب، وأن الأدب أداة لفهم الإنسان وتاريخه وأحلامه. ولهذا سيبقى اسمه حاضراً في سجل الثقافة العربية الحديثة بوصفه ناقداً كبيراً ومترجماً رائداً وأستاذاً ترك بصمة لا تُمحى في ذاكرة الأجيال.

قد يعجبك ايضا