رمزي ميركاني
إنّ ما قدّمه أهالي حلبجة طيلة الأيام الماضية، منذ حادثة غرق تلك الفتاة اليافعة المنحدرة من مدينة كربلاء في مياه “زلم”، يثبت للعالم أجمع أن الكرد شعبٌ إنسانيٌّ محبٌّ للبشرية؛ يشعر بآلام الآخرين، ويحتضن الغرباء، ويفتح ذراع الرحمة للمنكوبين، ويطعم الجائع، ويؤوي من لا مأوى له، ويضمد جراح المصابين، ويمد يد العون لكل من يحتاج المساعدة.
على مدار قرابة عشرة أيام، بذل أهالي حلبجة كل ما في وسعهم؛ فأغلقوا الأماكن السياحية، وتركوا أعمالهم ومصادر رزقهم، واحتضنوا عائلة الفتاة الغريقة، وغاصوا في المياه بأنفسهم لانتشال جثمان “رقية”. ولم يفعلوا ذلك طلباً لثناءٍ أو مديح، بل لأن إغاثة المنكوب نابعة من أعماق قلوب أهل هذه المدينة، ومن جوهر الروح الكردية الأصيلة.
ولأن مدينة حلبجة تعرضت لكارثة القصف الكيميائي عام 1988، التي راح ضحيتها نحو خمسة آلاف شهيد، واكتوت فيها قلوب آلاف الأمهات والآباء بفقدان أبنائهم وذويهم، فهم الأقدر على الشعور بمحنة المنكوبين. لذا، هزّ الحادث وجدان الجميع، واعتبروا “رقية” ابنتهم جميعاً، ولم يكترثوا لكونها “عربية” وليست “كردية”، أو أنها غريبة ومن مدينة أخرى، بل كرسوا كل جهودهم للعثور على جثمانها.
وبعد العثور على الجثمان، وقف أهالي المدينة واصطفوا رجالاً ونساءً، كباراً وصغاراً، يتقدمهم المحافظ والمسؤولون الحكوميون والحزبيون، وقفة إجلال لتشييع تلك الفتاة؛ فقدموا لها الزهور وودعوها بالدموع والحزن الذي خيّم على المدينة بأكملها. إن هذا الموقف يجسد إنسانية الكرد عموماً، ويبرهن على أنهم شعبٌ لا يحمل الحقد في قلبه، ولا يسعى للانتقام، بل ينشد التعايش والأخوة والوئام.
آلاف التحايا والتقدير والمحبة لأهالي تلك المدينة الجميلة؛ لرحمتهم، وخدمتهم، وإنسانيتهم، وشهامتهم، ولقلوبهم الكبيرة الوفية. شكراً لكل ما قدمتموه لتلك الفتاة وعائلتها، فأنتم تستحقون كل ثناء واحترام، ولقد رفعتم رؤوس الكرد عالياً. دمتم ودامت حلبجة وأهلها بعيدين عن كل سوء ومكروه.
حلبجة، رغم أن جراح القصف الكيماوي لا تزال باقية على جسدها، ورغم أن بعض مصابي تلك الكارثة ما زالوا يئنون من آلامهم، إلا أنهم يمدون يد العون للآخرين ويتناسون همومهم ومعاناتهم الخاصة. لذا، وبعد هذه الملحمة العظيمة لأهالي هذه المدينة المعطاءة، حان الوقت لأوجه خطابي إلى الحكومة العراقية وأقول: إلى متى سيستمر إهمال هذه المدينة وعدم الالتفات إليها؟ وإلى متى سيتأخر تعويض أهاليها جراء القصف الكيمياوي وسقوط آلاف الضحاياها لتخفيف ولو جزء بسيط من جراحهم ومعاناتهم؟ الجواب لكم.