ماهين شيخاني
لم يشعر بألم حين أنزلوه إلى القبر.
كان يشعر بشيء آخر. بشيء يشبه الوعي المتأخر. كأن الموت مرّ بقربه، توقف ليلقي نظرة، ثم مضى تاركاً إياه في ذلك الظلام الضيق.
كان يسمع كل شيء.
صوت الرجال وهم يثبتون الحبال تحت جسده. أنفاسهم المتعبة. احتكاك النعش بخشب القبر. وصوت والده المختنق بالبكاء.
أراد أن يفتح عينيه. لم يستطع.
أراد أن يقول: “أنا هنا…” لكن الكلمات ظلت حبيسة صدره.
ثم بدأ التراب يتساقط. حفنة بعد أخرى. صوتها كان أوضح من أي شيء سمعه في حياته. لم يكن التراب يُلقى فوقه فقط. كان يُلقى فوق عمره كله. فوق طفولته. فوق أحلامه. فوق المرأة ذات العينين الزرقاوين التي أحبها بصمت، ولم يخبرها يوماً.
فوق كل شيء.
انتهت مراسم الدفن.
تلاشت الأصوات شيئاً فشيئاً. ابتعد المشيعون. صمتت السيارات. وغرق العالم في سكون ثقيل.
لكنه ظل واعياً. بالكامل.
يسمع دقات قلبه. يسمع احتكاك التراب بجوانب القبر. يسمع حتى صوت الدم وهو يضرب أذنيه.
بدأ الذعر يتسلل إليه.
أنا حي. أنا حي.
كان يكررها في داخله كالمجنون. لكن لا أحد يسمعه.
بعد وقت لا يعرف مقداره، سمع وقع خطوات فوق القبر. خطوات شخص واحد. توقفت. ثم جلس صاحبها فوق التراب.
عرفه فوراً.
والده.
لم يعرف كيف. لكن الأبناء يعرفون آباءهم حتى في الظلام.
سمع شهقة طويلة.
ثم صوت أبيه:
— يا بني…
ارتجف قلبه. أخيراً. عاد والده. سينقذه. سيعرف أنه حي. سيحفر التراب. سيخرجه.
لكن الأب لم يحفر.
ظل صامتاً. طويلاً.
ثم قال:
— سامحني.
تجمّدت روحه.
كان في الصوت شيء غريب. شيء لم يسمعه من قبل. صوت رجل يحمل حملاً أثقل من الحزن.
قال الأب:
— كنت أعرف أنك ما زلت تتنفس.
توقف قلبه للحظة. أو هكذا ظن.
في الأعلى، بدأ الأب يبكي. لكن بكاءه لم يكن بكاء فاجعة. كان بكاء اعتراف.
قال:
— حين قال الطبيب إنك لن تعيش أكثر من أسابيع… لم أصدق. وحين رأيت صدرك يتحرك بعد إعلان وفاتك… لم أستطع أن أقول شيئاً. الأطباء كانوا مخطئين. وأنا كنت جباناً. جباناً أكثر مما ينبغي.
أراد الابن أن يصرخ. أن يضرب جدران القبر. أن يمزق التراب بأسنانه. لكن جسده ظل مشلولاً.
همس الأب:
— كنت أموت معك كل يوم. كنت أرى المرض يلتهمك. كنت أراك تتعذب. وكنت أدعو الله أن يأخذك ويرحمني.
ثم سكت قليلاً.
وأضاف:
— وعندما رأيتك تتنفس… خفت.
للمرة الأولى، شعر الابن برعب حقيقي. ليس من القبر. ولا من الموت. بل من الكلمة التالية.
قال الأب:
— خفت أن تعود.
امتد صمت طويل.
ثم تابع:
— خفت أن أراك تتعذب من جديد. وخفت أكثر أن أبقى أتفرج.
نهض الأب أخيراً. سمع الابن التراب يتحرك تحت قدميه. ثم سمعه يقول بصوت مكسور:
— سامحني يا بني.
ابتعدت الخطوات. خطوة. ثم أخرى. ثم أخرى. حتى اختفت.
في الظلام الكامل، بدأ الهواء ينفد. صار صدره يحترق. وقلبه يضرب جدران جسده بعنف. حاول أن يقاوم. أن يتمسك بالحياة. أن يتذكر وجه أمه. وجه أبيه. العيون الزرقاء. ضوء الشمس. رائحة الخبز.
لكن شيئاً واحداً فقط ظل يطارده. ليس التراب. ولا الاختناق. ولا الموت.
بل تلك الجملة. الجملة التي سمعها قبل أن يرحل والده:
“كنت أعرف أنك ما زلت تتنفس.”
وفي تلك اللحظة، أدرك أن القبر لم يكن هو الذي قتله.
بل والده.
وأن الموت الحقيقي لم يكن في انقطاع النفس.
بل في أن يعرف من تحب أنك تموت… ويتركك.