عبدالكريم مراد
لم يعد” التحليل السياسي” في زمن تتسارع فيه الأخبار وتتنافس فيه منصّات التّواصل على جذب الانتباه، حِكراً على المختصّين، بل أصبح مساحةً مفتوحة لكلّ من أراد الظهور أمام الكاميرا أو على هذه المنصّات، وقد أفرزت هذه الظاهرة إشكاليَّة خطيرة تتجلّى في ازدياد وتضخُّم عدد “المحلّلين” مقابل تراجع أدوات التّحليل الحقيقيّ.
فعلى سبيل المثال لا الحصر قصّةٌ قد تكون رمزيّة أكثر من كونها دقيقة تُروى عن اجتماع جمع فرانكلين روزفلت وونستون تشرشل وجوزيف ستالين خلال الحرب العالمية الثانية أو پعدها بقليل في روسيا، حين التقطت أجهزة الاستخبارات الروسيّة بعد الاجتماع عبارةً غامضةً كتبها تشرشل لروزفلت على قصاصة ورقية رداً على قصاصةٍ لروزفلت احرقها تشرشل في منفضته:
“لن يطير النسر العجوز من العش على أية حال ”
وهنا بدأت دوّامة التّأويلات:
رموز، إشارات، احتمالات، سيناريوهات لا تنتهي.
تحليلٌ يتراكم فوق تحليل، حتّى تضخّمت تلك العبارة البسيطة وتحوّلت إلى “حدث استخباراتي”.
لكنَّ جوهر الإشكال لم يكن في العبارة… بل في العقل الذي قرَّر أنَّ كل َّشيء يجب أن يكون رسالةً مخفيّة.
واليوم، يتكرّر المشهد ذاته ولكن على نطاق أوسع وأخطر في بعض الفضائيات وعلى الكثير من منصّات التواصل، نرى تحليلاً يُبنى على الانطباع، لا على المعرفة، فتُقتَطع الجمل من سياقها هنا، وتُبنى عليها استنتاجات حاسمة هناك، وكأنَّ السّياسة لعبة ألغاز مفتوحة.
فالمشكلة لم تعُد تتوقف على الاختلاف، بل في الشّجاعة والجرأة غير المبررة من عدمها على تقديم التفسير كحقيقة، أو الافتراض كيقين، وهكذا يتحول “المحلِّلون أحياناً إلى صانعي روايات، لا قُرَّاء واقع.
ولاتظهر خطورة هذا النمط في إرباك الفهم، بل إلى خلق توتر غير حقيقي، وتضخيم أحداث هامشيّة، ويغذّي الاستقطاب والفتن بدلاً من تفسير الواقع.
فيصبح الضجيج بديلاً عن المعرفة، ويغدو الانطباع بديلاً عن المنهج.
فالتحليل السياسيّ في جوهره ممارسةٌ عقليّةٌ دقيقةٌ، تقوم على الأخلاق وسعة الصّدر في فهم السّياق، وربط المعطيات ببعضها، والتّمييز بين الخبر والتّأويل. لكنّه حين يُمارس خارج أدواته المنهجيّة، يتحوَّل إلى مجرد انطباعات تُقدَّم في قالب “الخبرة”، بينما هي في حقيقتها إعادة صياغة للظنِّ.
وهنا يظهر الخلل بوضوح في الكثير من المشاهد الإعلامية المعاصرة، حيث لم يعد التحليل قائماً على التّخصُّص بقدر ما أصبح قائماً على محسوبية الحضور من جهة وعلى الجرأة في إطلاق الأحكام والخصومة من جهةٍ ثانية. فكلّما كان التفسير أكثر يقينًا وأقلّ دليلًا، بدا أكثر جذباً للانتباه.
*شاعر وكاتب كردي مقيم في ألمانيا مدرس الأدب العربي.