الرحيل الفاجع لـ “رقية”: جسرٌ إنساني يربط جراحات حلبجة وكربلاء

الباحث الحقوقي رنج باراوي

السادة المحترمون: محافظ كربلاء، رئيس مجلس محافظة كربلاء، ورئيس بلدية كربلاء،

نعزيكم بوفاة ابنتكم الغالية “رقية” التي قضت غرقاً في ربوع محافظة حلبجة-هورامان. إن ما قدمه أهالي حلبجة وهورامان الأوفياء في تلك اللحظات العصيبة، وقيامهم بالواجب الإنساني والأخلاقي، ما هو إلا تجسيدٌ حي لأسمى صور الشهامة والشهامة الكردستانية الأصيلة.
لطالما كانت حلبجة منذ غابر الأزمان مهداً للسلام والتعايش، وواحةً للنسيج الإنساني القائم على الاحترام المتبادل؛ ومن رحم هذه الأرض المعطاء برز العديد من العلماء والحكماء الذين غدوا منارات وقادة في مختلف المجالات على مستوى العراق والعالم أجمع. ومن الجليّ أن آلام أهل حلبجة هي الأكثر عمقاً وحرقةً في الوجدان الكردي، جنباً إلى جنب مع مأساة ضحايا الأنفال، فهم يمثلون زهرة التضحية وعنوان الصمود لإقليم كردستان.

إن هذا الفيض من المشاعر والتعاطف اللامتناهي الذي أظهروه تجاه فاجعة هذه السائحة العزيزة، لم يأتِ من فراغ، بل لأنهم يدركون تماماً مدى مرارة وعمق ألم فقدان الأبناء والأحبة؛ فهم الذين خُنقت فلذات أكبادهم بالغازات الكيميائية السامة، وتجرعوا لوعة التشريد واللجوء بلا نصير، وبقيت جثامين أبنائهم ملقاة بلا مأوى على أرصفة الشوارع. إنهم يعلمون أكثر من أي شخص آخر مدى غصة موت الأبناء، لاسيما وأن الكثير من أطفالهم ما زالوا مفقودين حتى يومنا هذا، ولا تزال الأمهات بانتظار عودتهم بفارغ الصبر. سيادة المحافظ، إن هذا المكتوب ليس سرداً لتدوين تاريخ حلبجة، بل هو مناجاة وجدانية صريحة تحاكي الضمير الإنساني الحي.
وفي المقابل، فإن محافظة كربلاء المقدسة قد قدمت هي الأخرى تضحيات جساماً، وغدت عبر التاريخ رمزاً ملهماً للفداء والتضحية من أجل العراق بأسره. ومن هنا، نجد أن حلبجة وكربلاء هما مدينتان يجمعهما انكسار القلب وألم التاريخ المشترك.
وهذا الرابط الإنساني والوجداني العميق بين جراحات المدينتين، يُعيد إلى الأذهان ما جسّده شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري حين قال مواسياً حلبجة الشهيدة في مصابها:

شَـبَـهْتُ نَـفْـسِيَ إِذْ أَبْـكِـيكِ عُرْيَاناً … يَكْسُو بِأَسْمَالِهِ الْمَجْرُوحِ عُرْيَانَا
مَـرَّتْ مَـلَائكةُ الرَّحْمَنِ جَافِلَةً … عَـنْ حَـلَبْجَةَ تَسْتَنْكِـرُ الشَّـيْطَانَا

كما يذكرنا هذا الترابط بالقول الخالد للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): “النَّاسُ صِنْفَانِ: إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ، وَإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ”. وانطلاقاً من هذه الحكمة البليغة وتلك الآلام المشتركة، نسأل الله العلي القدير أن يكون الوئام، واحترام الهوية الوطنية والقومية، هو البلسم الشافي لجراح الماضي، والركيزة الأساسية لبناء أخوة حقيقية وصادقة بين الكرد والعرب.
ولذا، ومن أجل تعزيز هذا الوئام والأخوة بين المواطنين في إقليم كردستان وعموم العراق، أقترح عليكم شطب مصطلح “شمالنا الحبيب” من ثقافة وأذهان إخوتنا وأخواتنا في كربلاء، لما يحمله هذا المصطلح من تذكير بآلام قومية ونفسية، علماً أن إقليم كردستان هو كيان دستوري قائم وقانوني.

كما أتقدم بمقترح آخر، وهو التفضل بتسمية أحد شوارع محافظة كربلاء باسم “حلبجة”، وتسمية إحدى المدارس باسم “هورامان”، وذلك توطيداً للمحبة والاحترام المتبادل، وتجسيداً لروح المواطنة والروابط المشتركة وقيم العيش المشترك.

قد يعجبك ايضا