اتفاق أربيل وبغداد الجمركي: خطوة دستورية نحو نظام “أسيكودا” الموحد

ریناس سندی

باحث في الشؤون الدستورية والقانونية
في إطار الجهود المستمرة لحكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية العراقية لمعالجة الملفات العالقة وتنظيم الشؤون الاقتصادية والمالية، توصل الجانبان إلى اتفاق شامل ومهم يقضي بتطبيق النظام الإلكتروني الجمركي العالمي المعروف بـ (أسيكودا – ASYCUDA). ويُعد هذا الاتفاق نقطة تحول كبرى في تاريخ العلاقات الاقتصادية بين أربيل وبغداد، من شأنه تعزيز الشفافية، رفع مستويات الإيرادات، وتقديم تسهيلات كبيرة للمستثمرين والتجار.
ولإلقاء الضوء على مضامين هذا الاتفاق الاستراتيجي، نستعرض أبرز النقاط الرئيسية التي تم التوقيع عليها والتي سترسم ملامح المستقبل الجمركي للإقليم والعراق:
١. الحفاظ على صلاحيات الإقليم في تسجيل الشركات
من أهم المكتسبات القانونية لإقليم كردستان في هذا الاتفاق هو أن إقليم كردستان سيمتلك الصلاحية الكاملة في تسجيل الشركات ضمن نظام أسيكودا. هذا الإجراء يحفظ السيادة والمكانة القانونية لمؤسسات الإقليم، ويمنع الروتين الزائد الذي قد يؤدي إلى عرقلة عمل الشركات المحلية والدولية.
٢. تدريب وتطوير كفاءات الموظفين
لضمان نجاح هذا النظام الحديث، تم الاتفاق على أن يتم تنظيم دورات تدريبية لموظفي المنافذ الحدودية في إقليم كردستان من قبل الجمارك الاتحادية. ستسهم هذه الدورات في تمكين الكوادر من التعامل مع النظام بأسلوب علمي وتكنولوجي متطور لتفادي أي عقبات عند التطبيق الفعلي.
٣. الاستناد إلى المبادئ والفقرات الدستورية
لم يأتِ هذا الاتفاق من فراغ، بل تم توقيعه استناداً إلى أحكام ومواد الدستور العراقي، وتحديداً المواد (١١٠، ١١٢، ١١٤، و١٢١). هذا الاستناد الدستوري يؤكد التزام الطرفين بالحقوق القانونية لإقليم كردستان، وأن كل خطوة يتم اتخاذها تقوم على أساس الشراكة الحقيقية وسيادة القانون.
٤. توحيد التعرفة الجمركية في عموم البلاد
تتمثل إحدى الركائز الأساسية للاتفاق في **تنظيم وتوحيد التعرفة الجمركية في جميع المنافذ الحدودية للعراق وإقليم كردستان. وبموجب الاتفاق، فإن أي تغيير أو تعديل يجري مستقبلاً في التعرفة يجب أن يتم بالتوافق والاشتراك بين أربيل وبغداد، ولا يحق لأي طرف اتخاذ قرارات أحادية الجانب بهذا الخصوص.
٥. اعتماد اللغة الكردية لغةً رسمية في النظام
تأكيداً على المكانة الدستورية للغة الكردية كلغة رسمية في العراق، تم إقرار إضافة اللغة الكردية إلى نظام أسيكودا. هذا الأمر من شأنه تسهيل معاملات موظفي ومستثمري الإقليم وسرعة إنجاز الإجراءات اليومية.
٦. تحديد أربيل مركزاً للنسخة الاحتياطية (Back-up)
في خطوة تكنولوجية استراتيجية، تم الاتفاق على أن تكون النسخة الاحتياطية المحمية للنظام (الباك أب) لعموم العراق في دائرة تكنولوجيا المعلومات التابعة لإقليم كردستان**. تعكس هذه الخطوة الثقة العالية بالقدرات البنية التحتية والتكنولوجية للإقليم وحماية البيانات الوطنية.
٧. الاعتراف المتبادل بالمناطق الجمركية الحرة
بهدف تنشيط القطاع التجاري والاستثماري، قررت الحكومتان **الاعتراف المتبادل بالمناطق الجمركية الحرة التابعة لكلا الطرفين. سيفتح هذا القرار الباب واسعاً لجذب المستثمرين الأجانب وتحقيق التنمية الاقتصادية في المنطقة.
٨. معالجة ملف المنافذ غير الرسمية
بشأن ملف المنافذ غير الرسمية الذي طالما شكّل مصدر قلق وخلافات، تقرر تشكيل لجنة مشتركة بين الطرفين لمتابعة وتنظيم هذا الملف، ووضع حد لأي خروقات أو عمليات تهريب خارجة عن القانون.
٩. إلغاء القيود والرقابة المفروضة
لطمأنة القطاع التجاري وتدفق البضائع، تم الاتفاق على **عدم فرض أي رقابة أو قيود على أي منفذ حدودي في العراق، بما في ذلك منافذ إقليم كردستان. تمنح هذه الخطوة ضمانة وثقة للتجار بأن بضائعهم ستمر دون عوائق سياسية أو إدارية.
١٠. حسم ملف الإيرادات الجمركية والضرائب
وفيما يخص الخلافات حول الإيرادات، تم الاتفاق على أن **يتم حسم ملف الإيرادات الجمركية والضرائب داخل المجلس الوزاري للاقتصاد العراقي، لضمان توزيعها بشكل عادل ووفقاً للاتفاقات المالية المبرمة بين الجانبين.
١١. توحيد الرزنامة الزراعية لحماية المنتج المحلي
حفاظاً على حقوق المزارعين والإنتاج الوطني، نص الاتفاق على اعتماد رزنامة زراعية موحدة، بناءً على التنسيق والاتفاق بين وزارتي الزراعة في أربيل وبغداد، مما يمنع استيراد المحاصيل الأجنبية في مواسم وفرة المنتج المحلي.
خلاصة القول:يمثل هذا الاتفاق تطوراً إيجابياً ملموساً يثبت أن لغة الحوار والتفاهم المشترك بين أربيل وبغداد قادرة على حل أكبر الملفات الاقتصادية المعقدة. ومع البدء بتطبيق نظام أسيكودا، يخطو الاقتصاد في الإقليم والعراق خطوة كبرى نحو العصرنة والعالمية.

قد يعجبك ايضا