الإنتلجنسيا بين السياسة والصِحافة

م.م. حمزة رحيم المفرجي
كلية الإعلام/ قسم الإذاعة والتلفزيون/ جامعة كركوك

بالرغم من الظهور المُربك للمصطلح، يَعتقد الكثير من المؤرخين، أنَ الشاعر الروسي (فاسيلي جوكوفسكي) كان أول من استخدم مصطلح (الإنتلجنسيا) في فترة ما قبل الثورة، لوصف مجموعةٍ من الأشخاص الذين يمتلكون مبادراتٍ ثقافيةً وسياسيةً، ويتشاركون في عملٍ عقليٍّ معقدٍ بهدف نشر الثقافة والوعي ضمن المجتمع، حيث شملت هذه الطبقة الجميع من المعلمين والمدرسين، والصحفيين، والفنانين، والمختصين في ميدان العلوم الإنسانية عامةً، والسياسية خاصةً، إذا فما هي الإنتلجنسيا ؟ وكيف ساهمت في تصحيح مسار العمل السياسي والصِحافي في خدمة المجتمع بصورة عامة ؟

تعود كلمة الإنتلجنسيا (Intelligentsia) إلى الاصول اللاتينية، لكنها لاقت رواجًا في جميع أنحاء العالم بفضل اللغة الروسية، فهي تعني النخبة المثقفة أو المثقفون في المجتمع، أو الأشخاص الحاصلين على تعليم عالٍ، جميعها تسمياتٌ أطلقها الروس في القرن التاسع عشر، للدلالة على من يمتلكون القدرة على التفكير ورجاحة العقل، إذ حُظيت النخبة المثقفة بثناء الكثيرين بإعتبارهم ضمير المجتمع، لكن بالمقابل لاقى آخرون منهم الإحتقار لإعتبارهم منفصلين عن الواقع، حيث كان من السائد في روسيا أنه عندما يقول شخصٌ أن فلانًا من طبقة الانتلجنسيا، يتخيل له على الفور شخص ذو مظهرٍ جيدٍ من الطبقة المتوسطة يحمل درجةً علميةً في العلوم الإنسانية، أو شخص يتكهن بشؤون العالم والسياسة .

شهدت الإنتلجنسيا انتعاشاً ورواجاً كبيرين في العالم، ومنه العالم العربي، وصولا الى العراق، حاضنة الثقافات العربية والإسلامية، فقد نشأت فيه منتديات وجمعيات يلتقي فيها نُخب المجتمع العراقي من الشعراء والكتاب والصحفيين والمهتمين بالشؤون السياسية والأدبية، ووصل التميز بتجمع هؤلاء النُخب لطريقة إختيارهم ملابسهم ومظهرهم الخارجي، والكلمات التي يتم تداولها فيما بينهم، والتي انعكست فيما بعد على مستوى الحوار في المجتمع العراقي، ولتنطلق بعدها تجمعات مؤيدة لهذه النخبة وهذا النوع من التيارات الثقافية التي ساهمت بإثراء الحياة الفكرية والمهنية في العراق .

عند الإجابة على دور هذه الطبقة في ميدان السياسة والصِحافة، وبعد تدهور حال المجتمع العراقي وترديه، لاغلوّ بالقول أنها الطبقة المثقفة التي أوجدت الحلول بعد طرح المعضلات، ووضعت الحد للعديد من الشبهات والإشكاليات، ودفعت عجلة مواكبة التطور وروح العصر والتجربة الناجحة الى الامام، وجعلت من الخصوم لها، وسيلة لبناء مجتمعٍ متحضرٍ ومُتمدن، وعبرَت عن حاجة الأخير للإدارة وللتعليم والفن والإعلام، وهو ما يفرض على صانع القرار الحالي والمستقبلي، أن يأخذ هذه التكتلات الثقافية بنظر الإعتبار عند صياغة أيَ استراتيجية تنموية تجنب المجتمع احتضان الأفكار المتطرفة (الدينية والمذهبية)، ولتضحى الإنتلجنسيا راعية الهوية وقائدة للمجتمع ووعيهِ .

Email: hamzaraheem@uokirk.edu.iq

قد يعجبك ايضا