الباحثة السياسية جيهان علو
تشهد منطقة المشرق مرحلة إعادة تشكل جيوسياسي هي الأكثر حساسية منذ سنوات، حيث تتقاطع التحولات السورية مع الحسابات الإسرائيلية والأمريكية والإيرانية في لحظة إقليمية تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين وتراجع قدرة الدول على ضبط مسارات التصعيد. وفي قلب هذه التحولات يبرز لبنان بوصفه الحلقة الأكثر هشاشة، ليس فقط بسبب موقع حزب الله في المعادلة الداخلية والإقليمية، بل لأن أي تغيير في طبيعة العلاقة بين دمشق والحزب قد ينعكس على التوازنات التي حكمت المشرق طوال العقدين الماضيين.
منذ وصول أحمد الشرع إلى السلطة، سعت دمشق إلى تقديم نفسها باعتبارها شريكاً إقليمياً قادراً على استعادة دور الدولة السورية والانفتاح على محيطها العربي والدولي. غير أن السلطة الجديدة، رغم نجاحها في تثبيت نفوذها داخل أجزاء واسعة من البلاد، ما زالت تمثل مرحلة انتقالية لم تستكمل بعد بناء شرعيتها الدستورية والمؤسساتية بصورة نهائية. وهذه الحقيقة تجعل أي قرار استراتيجي يتعلق بإعادة تعريف العلاقة مع لبنان أو الانخراط في صراعات إقليمية كبرى قراراً يتجاوز في تأثيره عمر الحكومة الحالية نفسها، ويمس موقع سوريا الإقليمي لعقود مقبلة.
كما و اكتسبت الأحاديث المتزايدة حول احتمال ممارسة ضغوط على دمشق للمشاركة في ترتيبات أمنية تستهدف حزب الله أهمية استثنائية. فالمسألة لا تتعلق فقط بملف لبناني داخلي أو بحسابات حدودية ضيقة، بل ترتبط بمشروع أوسع لإعادة رسم ميزان القوى في المشرق بعد سنوات من الحروب والتحولات العنيفة. ومن هنا تبدو سوريا أمام اختبار معقد: كيف يمكنها تحقيق الانفتاح الخارجي دون التحول إلى أداة في صراعات الآخرين؟
بالنسبة لإسرائيل، يمثل حزب الله التهديد العسكري الأكثر جدية على حدودها الشمالية. إلا أن التجارب السابقة أظهرت أن المواجهة المباشرة مع الحزب تنطوي على كلفة مرتفعة ومخاطر يصعب التنبؤ بنتائجها. لذلك تبدو بعض الدوائر الإسرائيلية أكثر ميلاً إلى استراتيجيات الاستنزاف وإعادة تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة بالحزب بدلاً من خوض حروب شاملة جديدة. وفي هذا الإطار، فإن أي توتر بين دمشق وحزب الله أو أي انخراط لقوى سورية في مواجهات معه سيُنظر إليه في تل أبيب باعتباره تطوراً يخدم هدفاً استراتيجياً يتمثل في تفكيك البيئة السياسية والأمنية التي يستند إليها الحزب.
لكن ما يبدو مكسباً تكتيكياً لإسرائيل قد يتحول إلى تهديد طويل الأمد لاستقرار المنطقة بأسرها. فالتجربة المشرقية خلال العقود الماضية أثبتت أن تفكيك التوازنات القائمة لا يؤدي بالضرورة إلى بناء توازنات أكثر استقراراً، بل قد يفتح الباب أمام موجات جديدة من الصراعات والانقسامات والتطرف .
أما إيران، فتتابع هذه التحولات من زاوية مختلفة تماماً. فحزب الله لا يمثل مجرد حليف سياسي أو عسكري لطهران، بل يشكل أحد أهم ركائز نفوذها الإقليمي وأحد أبرز عناصر منظومة الردع التي بنتها خلال السنوات الماضية. ومن هذا المنطلق، فإن أي محاولة لإعادة تشكيل المشهد السوري على نحو يؤدي إلى عزل الحزب أو إضعاف خطوط التواصل معه ستُقرأ في طهران باعتبارها جزءاً من مسار أوسع يستهدف تقليص نفوذها في المشرق. ولهذا تبدو القيادة الإيرانية حريصة على تجنب خسارة ما تبقى من أوراقها السورية، مع الاستعداد في الوقت نفسه لمواجهة أي ترتيبات إقليمية تهدد مصالحها الحيوية.
في المقابل، يقف لبنان أمام أخطر اختبار منذ سنوات. فالدولة اللبنانية تعاني أصلاً من أزمة بنيوية عميقة تمس مؤسسات الحكم والاقتصاد والأمن، الأمر الذي يجعلها أكثر عرضة للتأثر بأي اهتزاز إقليمي جديد. وتدرك القيادات اللبنانية أن الخطر لا يكمن فقط في احتمال وقوع عمليات عسكرية أو أمنية محدودة، بل في إمكانية انزلاق البلاد إلى حالة استقطاب مذهبي حاد تعيد إحياء الانقسامات التي دفعت لبنان أثماناً باهظة للخروج منها.
وتزداد المخاوف مع استمرار وجود جماعات مسلحة وشبكات أيديولوجية تمتلك القدرة على استغلال أي فراغ أمني أو سياسي. فدخول مثل هذه القوى على خط المواجهة لن يؤدي إلى إضعاف خصم بعينه بقدر ما سيهدد السلم الأهلي اللبناني ويضعف مؤسسات الدولة لمصلحة الفاعلين المسلحين. وفي حال تحولت المواجهة إلى صراع سني ـ شيعي مفتوح، فإن لبنان لن يكون الساحة الوحيدة المتضررة، بل قد تمتد التداعيات إلى سوريا والعراق ومناطق أخرى من المشرق.
وفي هذا الإطار تكتسب مواقف قوات سوريا الديمقراطية أهمية خاصة. فقد عكست مواقفها السابقة الرافضة للانخراط في مواجهات ضد حزب الله أو الحشد الشعبي العراقي إدراكاً مبكراً لمخاطر الانزلاق إلى حروب المحاور. كما كشفت أن بعض القوى المحلية باتت أكثر وعياً بأن الصراعات الإقليمية الكبرى لا تحقق بالضرورة مكاسب وطنية، بل قد تتحول إلى مسارات استنزاف طويلة الأمد تفوق قدرة الفاعلين المحليين على التحكم بنتائجها.
ورغم كثافة التكهنات والتسريبات المتداولة، لا توجد حتى الآن مؤشرات حاسمة على وجود قرار سوري بالانخراط في مواجهة مباشرة مع حزب الله. إلا أن مجرد تداول هذه السيناريوهات يعكس حجم الضغوط والتحولات التي تشهدها المنطقة. فالمشرق يقف اليوم أمام مرحلة إعادة تشكيل حقيقية، تتجاوز مصير حكومة أو تنظيم أو دولة بعينها، وتمس طبيعة النظام الإقليمي الذي سيتشكل في السنوات المقبلة.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه سوريا الانتقالية ليس الدخول في مواجهة مع حزب الله فحسب، بل الانجرار إلى صراع تتجاوز نتائجه قدرة السلطة الحالية على التحكم بها أو تحمل تبعاتها. كما أن أخطر ما يمكن أن يواجهه لبنان ليس قوة خصومه أو حلفائه، بل تحوله مجدداً إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وبين هذين الخطرين، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تتجه المنطقة نحو بناء توازنات جديدة قائمة على استقرار الدول، أم نحو إعادة إنتاج الفوضى ذاتها بأدوات وأسماء مختلفة؟
في ضوء المعطيات الحالية، يبدو أن أي محاولة لإعادة تشكيل المشرق عبر بوابة المواجهة مع حزب الله قد تفتح أبواباً يصعب إغلاقها لاحقاً. فالحروب في هذه المنطقة نادراً ما تبقى ضمن الأهداف التي تبدأ من أجلها، وغالباً ما تنتهي إلى نتائج تتجاوز حسابات جميع الأطراف. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام دمشق وبيروت لا يتمثل في اختيار موقع داخل صراع المحاور، بل في منع تحولهما إلى ساحتي اختبار لمشاريع إقليمية قد تعيد إشعال المنطقة بأكملها و حرب أهلية هي الأخطر .