الاسواق بين التجارة والادب

د . صباح ايليا القس

من المعروف ان اي تجمع بشري يشتمل على عدد من الناس والعوائل والبيوت إذ لا بدّ أن تتواجد فيه اسواق تتعهد بتوفير متطلبات العيش أولا الذي يعني المأكل والملبس بالدرجة الاولى ولاحقا تتوسع الامور لتلبي الحاجات الاخرى التي يتعارف عليها ذلك المجتمع ..

وما يعنينا هنا الاسواق العربية التي بدأت بعدد قليل من الدكاكين ثم توسعت لتشمل تعدد الطلبات فالاسواق في الجاهلية غيرها في الخلافة الاموية ولاحقا العباسية والاندلسية .. وقد ازدادت هذه الاسواق مع توسع النشاط التجاري والتعايش مع الاقوام الاخرى على الاقل في انواع الطعام والشراب والسكن والملبس حينها يتوسع النشاط التجاري ليلبي حاجات الناس على تعدد مستوياتهم وطبقاتهم حتى صارت عندنا اسواق خاصة بالطعام وأدواته وفنونه واسواق الكتب والمكتبات واسواق النخاسة وحانات الخمور .

وفي هذه الاسواق كانت تعقد المهرجانات الادبية ولا بدّ من الاشارة هنا الى سوق عكاظ بوصفه اول سوق للمهرجانات الادبية الذي سجلته المدونات التي وصلت الينا .. وفي سوق عكاظ تبارى الشعراء وعرضوا بضاعتهم بل ووضعوا حكما يقضي بينهم وجميعهم ارتضوا ما قرره من حكم ..

ولم يكن سوق عكاظ مقصورا على الشعراء فقط بل كانت هناك الخطب وخطبة قُس بن ساعدة الايادي شاهدة على قولنا التي فيها قوله ( يا ايها الناس اسمعوا وعوا واذا وعيتهم فانتفعوا ، انه من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آتٍ آت . ليل داج وسماء ذات ابراج ) الى آخر الخطبة ..

وبعد اختلاط العرب بالاعاجم لا سيما بعد عصر الفتوحات والغزوات حيث اطلع العرب على ما عند الامم الاخرى من وسائل العيش وعندما استقروا تفاعلوا مع ما عند الامم الاخرى من مأكل وملبس وعلوم وهندسة ومواد وعلوم وثقافات وأزياء وغير ذلك .

لم تكن المتاجرة بين العرب وغيرهم من الامم غريبة عنهم فهذه القوافل التي كانت تنطلق من مكة والمدينة الى الشام والعراق شاهدة تاريخيا غير ناسين ان النبي محمد ( ص ) كان يقود قوافل التجارة الى البلدان ولا بدّ ان نذكر في هذا الجانب ما كان يفعله اللصوص والصعاليك عند اغارتهم على القوافل العائدة والمغادرة حتى ان اصحاب القوافل كانوا يستأجرون رجالا للحماية من الاشرار وهناك اسواق اخرى مثل مجنة وحباشة وحجر .

هذه الاسواق وغيرها كانت تقلّد ما كان يجري في سوق عكاظ من أنشطة متنوعة تجارية وشعرية لا سيما في تعدد بضاعتها مع نوع من الخصوصية .

لم تكن هذه الاسواق موجودة على مدار السنة بل كانت تقام كما هي في المهرجانات في زمننا المعاصر اذ لها توقيتات خاصة وزمن معين يتيح للآخر السفر والتواجد في هذه الاسواق مع تعدد المواعيد فضلا عن الخصوصية المعروفة التي تناسب ذلك الموسم فضلا عن المعروضات والسلع التي يعرف موعدها    المتبضعون .

ليس العرب هم التجار المتفردون فكما هم يقصدون دول الجوار فان الآخرين يزورون الاسواق العربية ايضا مثل الفرس والهنود والشاميون اذ يعرف تجار الفرس بالسجاد والمفروشات والهنود معروفون بالتوابل والبخور اما الشاميون فمعروفون بصناعة الخمر اما أهل الخليج كالبحرين مثلا فهم معروفون بالاحجار الكريمة واللؤلؤ .

ولا ننسى ان الشعر العربي اشار الى الصناعة مثل السيوف التي جاء بها الهنود ويقول عند العرب ( الهندواني ) وكذلك السيوف الشامية التي يذكرها العرب فيقولون ( المشرفي ) اشارة الى مشارف الشام ..

أخيرا نقول ان العرب في اسواقها كانت مثالا للسلم والامان مع عناية خاصة بالضيوف واكرامهم ..

قد يعجبك ايضا