عندما تصبح الجغرافيا عبئاً: هل يُراد للكورد أن يكونوا ساحةً لتصفية الحسابات مع إيران؟

ماهين شيخاني

قراءة في موقع الكورد ضمن معادلات الصراع الإقليمي والدولي
مقدمة: سؤال يستحق التأمل
مع كل تصعيد سياسي أو عسكري يحيط بإيران، يعود إلى الواجهة سؤال يثير الكثير من النقاش: لماذا يتكرر الحديث عن المناطق الكوردية بوصفها إحدى الساحات المحتملة للضغط على طهران؟ وهل يعود ذلك إلى خصوصية الجغرافيا الكوردية وقدراتها التنظيمية، أم إلى تصورات استراتيجية لدى بعض الفاعلين الدوليين ترى في هذه المناطق ورقة يمكن توظيفها في إدارة الصراع؟
لا يدّعي هذا المقال وجود خطة موحدة تتبناها جميع الدول أو وسائل الإعلام، بل يحاول قراءة بعض الاتجاهات التي برزت في النقاشات السياسية والإعلامية خلال السنوات الأخيرة، وتحليل أسبابها وانعكاساتها على القضية الكوردية.
أولاً: إيران دولة متعددة القوميات… فلماذا يتركز الاهتمام على المناطق الكوردية؟
تضم إيران تنوعاً قومياً واسعاً يشمل الكورد والآذريين والعرب والبلوش وغيرهم، ولكل مكون خصوصياته الاجتماعية والسياسية والجغرافية.
ومن الناحية النظرية، قد يرى بعض المحللين أن أي محاولة للضغط الداخلي على إيران يمكن أن تشمل مناطق مختلفة، إلا أن الحسابات الجيوسياسية تجعل لكل حالة ظروفاً مختلفة:
في خوزستان، ترتبط الأهمية الاقتصادية بحساسية منشآت الطاقة وما قد يترتب على أي اضطراب من تداعيات إقليمية ودولية.
أما المناطق ذات الأغلبية الآذرية، فتتشابك مع اعتبارات تتعلق بالتوازنات الإقليمية والعلاقات مع دول الجوار، إضافة إلى اندماج شخصيات آذرية في مؤسسات الدولة الإيرانية.
وفي المناطق البلوشية، تختلف طبيعة التحديات الأمنية والاجتماعية والحدودية.
لهذا، لا يمكن تفسير اختلاف مستويات الاهتمام بعامل واحد، بل بمجموعة معقدة من الحسابات السياسية والأمنية.
ثانياً: لماذا تحظى المناطق الكوردية باهتمام خاص في بعض التحليلات؟
يرى عدد من الباحثين أن المناطق الكوردية تتمتع بخصائص تجعلها محط اهتمام في الدراسات الاستراتيجية، منها:
الطبيعة الجغرافية الجبلية التي شكلت تاريخياً بيئة صعبة للسيطرة العسكرية.
وجود خبرات تنظيمية وسياسية متراكمة لدى قوى كوردية مختلفة.
الموقع الحدودي الذي يمنح هذه المناطق أهمية في التفاعلات الإقليمية.
الامتداد القومي للكورد عبر أكثر من دولة في الشرق الأوسط.
لكن تحويل هذه المعطيات إلى استنتاج مفاده أن الكورد ينبغي أن يكونوا رأس حربة في أي مواجهة إقليمية يحمل مخاطر كبيرة، لأن نتائج أي صراع مسلح ستقع أولاً على السكان المحليين قبل أي طرف آخر.
ثالثاً: دروس التاريخ… بين التعاون وخيبة التوقعات
تُظهر التجربة التاريخية أن التحالفات الدولية غالباً ما تخضع لمعادلات المصالح المتغيرة.
وقد استشهد كثير من الباحثين بمحطات مثل اتفاقية الجزائر عام 1975، التي غيّرت توازنات الدعم للحركة الكوردية في العراق، أو بالتحولات التي شهدتها الساحة السورية خلال السنوات الأخيرة، باعتبارها أمثلة على أن أولويات الدول قد تتبدل وفقاً لحساباتها الاستراتيجية.
ولا تعني هذه الوقائع استحالة بناء شراكات خارجية، لكنها تؤكد أن أي تحالف يظل عرضة للمراجعة عندما تتغير الظروف السياسية.
رابعاً: بين المشاركة في التغيير والتحول إلى أداة في صراعات الآخرين
من المشروع لأي مكون اجتماعي أو قومي أن يسعى إلى الدفاع عن حقوقه والمطالبة بالإصلاح والمشاركة السياسية، لكن ثمة فرقاً بين النضال من أجل الحقوق والانخراط في صراعات إقليمية قد تتجاوز مصالح المجتمع المحلي.
فالانجرار إلى مواجهة مفتوحة بالنيابة عن أطراف خارجية قد يؤدي إلى:
تحميل السكان المحليين كلفة بشرية واقتصادية باهظة.
تعقيد فرص الوصول إلى حلول سياسية داخلية.
تعزيز خطاب التخوين والاستقطاب.
إضعاف فرص بناء تفاهمات وطنية أوسع.
ولهذا، فإن تغليب الوسائل السياسية والمدنية، متى كان ذلك ممكناً، قد يكون خياراً أكثر استدامة من الرهان على المواجهة العسكرية.
خامساً: النضج السياسي في قراءة التحولات الدولية
من أبرز الدروس التي يمكن استخلاصها من تجارب العقود الماضية أن التحالفات الخارجية ينبغي أن تُدار بواقعية وحذر، وأن تُبنى على المصالح المتبادلة لا على افتراضات دائمة حول ثبات المواقف الدولية.
كما أن بناء المؤسسات، وتعزيز الوحدة الداخلية، والاستثمار في القدرات الذاتية، يظل الضمان الأكثر استقراراً لأي شعب يسعى إلى حماية مصالحه وسط بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
خاتمة: لا تجعلوا الجغرافيا تتحول إلى قدر
قد تمنح الجغرافيا بعض الشعوب أهمية استراتيجية، لكنها قد تجعلها أيضاً ساحة للتنافس بين القوى الكبرى إذا غابت الرؤية الذاتية الواضحة.
ومن هنا، فإن الحكمة السياسية لا تكمن في رفض العلاقات الدولية أو الانغلاق على الذات، بل في إدارتها بوعي، مع إدراك أن المصالح تتغير، بينما يبقى الجوار الجغرافي والوجود التاريخي حقائق ثابتة.
إن مستقبل الكورد، كما مستقبل غيرهم من شعوب المنطقة، يرتبط بقدرتهم على بناء قوة سياسية ومؤسساتية مستقلة، وعلى التعامل مع التحالفات الخارجية باعتبارها وسائل لتحقيق المصالح، لا بدائل عن الإرادة الذاتية. فالتاريخ يبين أن الشعوب التي تحسن قراءة موازين القوى هي الأقدر على حماية حقوقها وتجنب أن تتحول إلى وقود في صراعات لا تملك قرارها.

قد يعجبك ايضا