البيشمركة جزء لا يتجزأ من تاريخ ونضال الامة الكوردية

سردار علي سنجاري

بدات تتصاعد بعض الأصوات في العراق مطالبة بحل قوات البيشمركة كباقي الفصائل العراقية التي تأسست بفتوة من اجل هدف واحد هو استعادة الأراضي التي سيطرت عليها قوات داعش ومحاربة تلك القوة والقضاء عليها . وبالرغم من الدور الهام لتلك الفصائل في محاربة داعش وما قدمته من جهود في سبيل استعادة الأراضي التي خسرتها الدولة العراقية آنذاك إلا انها بالمقابل أصبحت قوة منافسة للجيش وقوات الأمن العراقية مما تسبب في خلل امني كبير خلال السنوات الماضية انعكست بشكل سلبي على دور العراق محليا ودوليا مما دفع الكثير من الدول وفي مقدمتهم امريكا في ادراج العديد من تلك الفصائل على قائمة الارهاب وإلزامهم بالتخلي عن السلاح الذي اصبح مصدر تهديد داخلي وخارجي للعراق . في المقابل فإن قوات البيشمركة التي تطالب تلك الفصائل المدرجة على قائمة العقوبات الدولية التعامل معها كفصيل عسكري خارج حدود الدولة العراقية وسيطرتها فإنه يترتب علينا توضيح ذلك بشكل دقيق وواضح من اجل العمل معا لبناء قاعدة سياسية جديدة ترسم للعراق بكافة أطيافه خارطة طريق تسعى من خلالها إلى اخراج العراق من الأزمات السياسية والاقتصادية التي تعصف به .
تمثل قوات البيشمركة بالنسبة للشعب الكوردي أكثر من مجرد مؤسسة عسكرية فهي رمز للنضال والتضحية والدفاع عن الوجود القومي الكوردي . وقد ارتبطت في الذاكرة الجماعية للكورد بمقاومة حملات القمع والتهجير التي تعرض لها الشعب الكردي خلال فترات مختلفة من تاريخه المعاصر.
كما تُعد البيشمركة أحد أهم رموز الوحدة الوطنية الكوردية ، حيث ينظر إليها المواطنون بوصفها مؤسسة تحمي المكتسبات السياسية والدستورية التي تحققت في إقليم كوردستان وتسهم في الحفاظ على الأمن والاستقرار والتنمية. ورغم ان البيت الكوردي ليس موحدا سياسا إلا أن قضية البيشمركة  واحدة وموحدة في النهج السياسي والاجتماعي ولا تقبل أي تفاوض على حلها او الغاء دورها وتاريخها . حيث تُعد قوات البيشمركة واحدة من أهم المؤسسات الوطنية والعسكرية في إقليم كوردستان العراق إذ ارتبط تاريخها بتاريخ النضال القومي للشعب الكوردي وسعيه للحفاظ على هويته وحقوقه السياسية والثقافية. وعلى مدى عقود طويلة لعبت قوات البيشمركة دوراً محورياً في الدفاع عن المجتمع الكوردي وحماية مناطقه من التهديدات الأمنية والعسكرية المختلفة. ومع التطورات السياسية التي شهدها العراق بعد عام 2003 أصبحت قوات البيشمركة جزءاً أساسياً من المنظومة الأمنية العراقية وأسهمت بصورة فعالة في مكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار في إقليم كوردستان والمناطق المتنازع عليها.
بدأ التنظيم الفعلي لقوات البيشمركة مع تصاعد الحركة القومية الكوردية بقيادة الخالد مصطفى بارزاني خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي حيث تحولت مجموعات المقاتلين الكورد إلى قوة منظمة هدفت إلى الدفاع عن المناطق الكوردية وتحقيق المطالب السياسية للشعب الكوردي .
وخلال العقود اللاحقة شاركت البيشمركة في العديد من مراحل النضال الكوردي ضد الأنظمة العراقية المتعاقبة واستمرت في أداء دورها الدفاعي حتى تأسيس إقليم كردستان بعد عام 1991 بعد انتفاضة اذار حيث شهدت عملية إعادة تنظيم وتطوير بعد عام 2003 لتتحول إلى مؤسسة عسكرية رسمية تتبع حكومة إقليم كوردستان معترفا بها دستوريا ضمن دستور العراق الفيدرالي الذي صوت عليه الشعب العراقي سنة 2005 .
وقد برز الدور الدولي والإقليمي لقوات البيشمركة بشكل واضح بعد ظهور تنظيم داعش عام 2014، عندما اجتاح التنظيم مساحات واسعة من العراق وسوريا وهدد أمن إقليم كوردستان بشكل مباشر.
وقد تمكنت قوات البيشمركة من إيقاف تقدم تنظيم داعش نحو مدن إقليم كوردستان و حماية مئات الآلاف من المدنيين من خطر التنظيم. وقدمت الالاف من الشهداء في عملية الدفاع وتحرير العديد من المناطق العراقية التي كانت تحت سيطرة الجماعات الإرهابية.
وكذلك تم التعاون مع القوات العراقية وقوات التحالف الدولي في العمليات العسكرية المشتركة ووفرت كل الوسائل اللازمة لتحقيق الانتصار على داعش وساهمت في توفير بيئة آمنة لعودة النازحين وإعادة الاستقرار إلى المناطق المحررة وكانت دوما تتبع المنهجية الانسانية في التعامل مع الاحداث مما كسبها شعبية واسعة حتى في المناطق التي تقع خارج حدودها .
وقد أشادت العديد من الحكومات والمنظمات الدولية بدور البيشمركة في الحرب ضد الإرهاب معتبرةً إياها شريكاً مهماً في الجهود الدولية الرامية إلى القضاء على التنظيمات المتطرفة .
ولم يقتصر دور البيشمركة على المهام العسكرية فقط بل امتد إلى دعم الاستقرار السياسي والاجتماعي في إقليم كوردستان وذلك من خلال حماية الحدود والمنافذ الحيوية و منع تسلل الجماعات الإرهابية إلى الإقليم و المساهمة في إدارة الأزمات الأمنية والطوارئ.
و التعاون مع الأجهزة الأمنية الأخرى لضمان الأمن الداخلي وكذلك توفير بيئة مستقرة تشجع الاستثمار والتنمية الاقتصادية . وقد ساعد الاستقرار الأمني الذي وفرته البيشمركة على جعل إقليم كوردستان من أكثر المناطق استقراراً في العراق خلال السنوات الماضية الأمر الذي انعكس إيجاباً على التنمية الاقتصادية والخدمية في الاقليم .
ولم يقتصر دور البيشمركة في الدفاع عن حدود الاقليم بل تؤدي قوات البيشمركة دوراً مهماً في دعم جهود السلام من خلال الالتزام بالدفاع عن المواطنين وحماية التعايش السلمي بين مختلف المكونات القومية والدينية في إقليم كوردستان . كما شاركت في حماية الأقليات الدينية والإثنية التي تعرضت للتهديد من قبل التنظيمات الإرهابية بما في ذلك الإيزيديون والمسيحيون وغيرهم من المكونات المجتمعية.
إن حماية التنوع المجتمعي وتعزيز قيم التعايش المشترك يُعدان من الركائز الأساسية التي ساهمت في ترسيخ الأمن المجتمعي والاستقرار السياسي داخل الإقليم ويعود الفضل في ذلك إلى دور البيشمركة وتواجدهم الدائم ضمن إطار رؤية انسانية وطنية لا تمييز بين أفراد المجتمع على أساس ديني او عرقي او طائفي .
عندما تطالب بعض الجهات في حل البيشمركة وتضعها من حيث المبدأ في صف بعض الفصائل العراقية فإنها بذلك تجهل تاريخ نشأت هذه القوى التي ولدت من رحم الامة الكوردية ولم تلد بقرارات سياسية او فتاوي دينية . يختلف كل من قوات البيشمركة والفصائل المسلحة العراقية الأخرى من حيث النشأة والمرجعية القانونية والهيكل التنظيمي والمهام رغم أن بعضها شارك في مواجهة تنظيم داعش جنبا إلى جنب مع قوات البشمركة. البيشمركة هي القوة العسكرية الرسمية التابعة لحكومة إقليم كوردستان وتتبع توجيهات وزارة شؤون البيشمركة في الاقليم ولها مرجعية واحدة وتخضع للمساءلة القانونية في حال وجود أي تجاوزات قد تؤدي إلى حدوث أزمة داخل المناطق التي تسيطر عليها. ناهيك تاريخها مرتبط بالحركة الوطنية الكوردية ولم تتأسس على أساس ديني أو طائفي بل تضم كل اطياف المجتمع الكوردستاني . وتعد وفق الدستور العراقي جزءا من المنظومة الأمنية لإقليم كوردستان وتتبع مؤسسات حكومة اقليم كوردستان ووزارة البشمركة. اما الفصائل العراقية ومنها الحشد الشعبي فقد تأسس بفتوى ( الجهاد الكفائي ) التي اطلقها سماحة السيد علي السيستاني من اجل محاربة داعش بعد الهزائم المتكررة التي لحقت بالجيش العراقي وبالأخص في محافظتي الأنبار والموصل ووصول داعش إلى مشارف بغداد وكانت بين السقوط او انهيار الدولة انذاك . واخيرا علينا ان الوقوف امام ما أشاره فخامة الرئيس مسعود بارزاني في احدى مقابلاته ان البيشمركة لم تؤسّس بقرار حتى تنحل بقرار لا بقرار مني او بقرار اي احد . البيشمركة تأسست بالدم وعزيمة وارادة الشعب الكوردي .

قد يعجبك ايضا