المغرب الكبير؛ تاريخ على الورق وهوية في ظل الدستور

الباحث الحقوقي رنج باراوی

إن احترام الدستور، الهوية، التاريخ، اللغة، والقوميات المختلفة يُعد جزءاً لا يتجزأ من مبادئ الكتابة المسؤولة. ويقع على عاتق كل كاتب أو باحث صاحب رسالة التزامٌ أخلاقي وقانوني يفرض عليه استخدام المصطلحات والمفاهيم بطريقة تعبر عن الواقع الإنساني والديمغرافي، بدلاً من أن تتحول إلى أدوات لطمس الهويات الأصيلة تحت مظلة أيديولوجية أحادية البُعد.

وعلى الرغم من توفر معلومات عامة سابقة حول الوضع في شمال أفريقيا، إلا أن التمعن في عمق النصوص الدستورية والتأمل في البنية الاجتماعية لتلك المنطقة، يثبت حقيقة جديدة. ومن هنا، وانطلاقاً من موقف معرفي وقانوني، قررتُ منذ الآن فصاعداً، في سائر أعمالي، ومشاريعي، وأجنداتي الدبلوماسية، وكتاباتي، تجاوز المفهوم القديم المتمثل في «المغرب العربي»، واعتماد المصطلح الأكثر إنصافاً وعدالة وهو «المغرب الكبير» أو «دول المغارب في شمال أفريقيا».

من الناحية التاريخية والرسمية، أُعلن عن مفهوم «اتحاد المغرب العربي» في 17 شباط (فبراير) 1989 في مدينة «مراكش»، عندما وقعت خمس دول في المنطقة (المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، وموريتانيا) على معاهدة التأسيس. بيد أن جذور هذه التسمية تعود إلى فترة النضال ضد الاستعمار في منتصف القرن العشرين، حين أسست الحركات الوطنية «مكتب المغرب العربي» عام 1947 في القاهرة لمواجهة الاحتلال الفرنسي.

يشمل هذا المشروع جغرافياً منطقة شاسعة تمتد على طول سواحل شمال أفريقيا وعمق الصحراء الكبرى، وتتمتع بأهمية إستراتيجية لا مثيل لها. لكن المشكلة الجوهرية تكمن في أن تسمية هذا الفضاء بأكمله بـ «العربي» كانت مجرد انعكاس لأيديولوجية القومية العربية (الپان-عروبية)، مما أدى إلى تهميش تاريخي وديمغرافي كبير ضد المكونات الأصيلة الأخرى في المنطقة، ولا سيما الشعب الأمازيغي (المازيغ).

الأمازيغ شعب يمتلك الإرادة، واللغة، وتاريخاً ضارباً في القدم. لقد عاشوا في هذه الأرض قبل وفود الثقافة واللغة العربية، ولهم لغتهم الخاصة (التمازيغية) وخطهم وتقاليدهم المتميزة، وهم شريك أساسي في صياغة حضارة البلدان التي يقطنونها.

وحين نتدبر في هذه المعادلة التاريخية والثقافية، لا يسعنا إلا أن نقارنها بوضعنا القومي ككورد. فعندما يُقال للكوردي من منظور أيديولوجي «عربي العراق» أو يُطلق على جنوب كوردستان مصطلح «شمال العراق»، فإن هذا لا يمثل ناديده‌ة (تجاهلاً) للهوية القومية فحسب، بل يشكل ظلماً واجحافاً معرفياً وتاريخياً كبيراً.

صحيح أن الكورد في جنوب كوردستان يحملون الجنسية العراقية تحت مظلة الدولة، إلا أنهم من الناحية القومية كورد؛ تماماً مثل كورد المملكة الأردنية الهاشمية الذين يحملون الجنسية الأردنية ولكنهم يُعرفون هوياتياً بـ «كورد المملكة الأردنية». بناءً على هذا، فإن تغيير المفهوم إلى «المغرب الكبير» ليس مجرد تبديل للفظ، بل هو اعتراف بواقع التعددية القومية والثقافية للمنطقة وصونٌ لكرامة المكونات الأصيلة.

من هنا نفهم أن الجغرافيا السياسية لا يمكنها أبداً محو الواقع الديمغرافي. فعندما يُبنى تاريخ الدول على الإنكار والأحادية، فإن الهويات المهمشة لا تندثر، بل تظل حية كقوة ثقافية فاعلة في أعماق المجتمع. لقد أثبتت التجربة التاريخية أن المفاهيم القومية المطلقة (المفروضة) تؤدي إلى تصدع البنية الاجتماعية بدلاً من تحقيق الوحدة. لذلك، فإن تحويل لغة المصطلحات السياسية نحو الشمولية والتعددية ليس مجرد استبدال اسم بآخر، بل هو إعادة صياغة لعقد اجتماعي وسياسي جديد لا يُكتب فيه تاريخ أي مكون على حساب مكون آخر.

 

العقبات القانونية والسياسية؛ لماذا تعطل المشروع؟

من الناحية الواقعية، يمر مشروع الاتحاد اليوم بحالة من الركود التام ولم يعد سوى حبر على ورق. ويعود السبب الرئيس في هذا الإخفاق إلى عدة نقاط:

1-نزاع الصحراء الغربية: النزاع الحاد بين المغرب والجزائر حول هذا الملف، والذي تسبب في إغلاق الحدود البرية تماماً بينهما منذ عام 1994.

2-التباين في بنية الحكم: غياب الثقة والاختلاف الكبير بين الأنظمة الملكية والأنظمة الجمهورية في المنطقة.

3-التحولات الجيوسياسية: اختلال الاستقرار في ليبيا والتغييرات السياسية التي شهدتها تونس بعد عام 2011.

إن قمة قادة هذا الاتحاد لم تنعقد منذ عام 1994، وهو خير دليل على الشلل التام لهذه المؤسسة على المستوى التنفيذي. وبناءً على ذلك، لا بد من إبراز النقاط التالية المتعلقة بالموضوع:

1. التشريع الدستوري وقضية الهوية:

أحدث الصراع بين الهوية العربية والهوية الأمازيغية الأصيلة انعكاسات قانونية عميقة في دساتير هذه الدول. فبينما كانت الدساتير في السابق تركز على الأحادية العربية، شهد دستور المملكة المغربية لعام 2011 تحولاً تاريخياً؛ إذ اعترفت ديباجته بوضوح بتعددية وثراء هوية البلاد، مشيرةً إلى روافدها المختلفة (العربية، الأمازيغية، الحسانية، الأندلسية، العبرية، والأفريقية). ومن الناحية التشريعية، شكلت المادة 5 من الدستور ركيزة قانونية جديدة حيث نصت على:

«تعد الأمازيغية أيضاً لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيداً مشتركاً لجميع المغاربة بدون استثناء.»

هذا الاعتراف الدستوري هو دليل قانوني دامغ على أن عهد احتكار الهوية القومية قد ولى، وأن لغات وتواريخ الشعوب الأخرى يجب أن تُحمى رسمياً.

2. المحطة الدبلوماسية التونسية (2014):

من الأحداث البارزة التي جسدت التوجه نحو تغيير هذا المفهوم في الخطاب الرسمي، كانت الزيارة الرسمية للعاهل المغربي الملك محمد السادس إلى جمهورية تونس في 30 أيار (مايو) 2014 تلبيةً لدعوة رسمية من الرئيس التونسي آنذاك.

وفي الخطابات الرسمية، وتحديداً أثناء الكلمة التي ألقاها ملك المغرب أمام البرلمان التونسي (المجلس الوطني التأسيسي)، حدث تحول في المصطلحات الدبلوماسية؛ فبدلاً من استخدام المفهوم الشائع «المغرب العربي»، جرى التأكيد على مفهوم «المغرب الكبير». وكان ذلك بمثابة إشارة واضحة إلى ضرورة احترام التعددية الثقافية والتكوين القومي للمنطقة في الخطاب الرسمي للدول.

3. الدعم القانوني والدبلوماسي: النموذج الجديد للشراكة الإقليمية:

من منظور القانون الدولي ومبادئ الدبلوماسية المعاصرة، فإن تجاوز المفاهيم القومية الكلاسيكية نحو فضاء أرحب كـ “المغرب الكبير” يمهد الأرضية لصياغة مشاريع جديدة قائمة على “المواطنة المنفتحة” والتعددية. هذا التغيير لا يصب في مصلحة الاستقرار الداخلي للدول فحسب، بل يسهم في تعزيز العلاقات الدولية والاتفاقيات الدبلوماسية مع المنظمات العالمية.

إن الاعتماد على التعددية الثقافية كقوة ناعمة (Soft Power) يعزز المكانة القانونية والإستراتيجية لهذه الدول في المجتمع الدولي، ويقدم نموذجاً متقدماً للخطاب الدبلوماسي المشترك الذي يتسق مع مبادئ حقوق الإنسان للأمم المتحدة.

إن غايتي من هذا المقال هي تعزيز النمو المعرفي. وإن الاستشهاد بمقولة (عماد الدين الأصفهاني) حول مراجعة المفاهيم وتصحيحها لهو علامة على نضج الوعي الأكاديمي والإنساني للكاتب. فحينما أشار الكاتب سابقاً في المقالات والكتابات -دون قصد- إلى «المغرب العربي»، فإن التفكير العميق والحوار مع الشخصيات السياسية والثقافية الأمازيغية قد أحدثا تحولاً في الرؤية؛ وهذا هو أوج البحث عن الحقيقة.

هذه الحالة من المراجعة تذكرني بالمقولة الشهيرة للأديب والمؤرخ «عماد الدين الأصفهاني» حيث يقول:

«إِنِّي رَأَيْتُ أَنَّهُ لَا يَكْتُبُ إِنْسَانٌ كِتَاباً فِي يَوْمِهِ إِلَّا قَالَ فِي غَدِهِ: لَوْ غُيِّرَ هَذَا لَكَانَ أَحْسَنَ، وَلَوْ زِيدَ كَذَا لَكَانَ يُسْتَحْسَنُ، وَلَوْ قُدِّمَ هَذَا لَكَانَ أَفْضَلَ، وَلَوْ تُرِكَ هَذَا لَكَانَ أَجْمَلَ؛ وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَرِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِيلَاءِ النَّقْصِ عَلَى جُمْلَةِ الْبَشَرِ.»

إن استنتاجي الجديد الداعي إلى تغيير هذا المصطلح إلى «المغرب الكبير» يتناغم تماماً مع مبادئ العدالة التاريخية والقانونية؛ تفادياً لتهميش أي قومية، واحتراماً للاستحقاق والوجود التاريخي لجميع القوميات التي نقشت تاريخها بلغتها وثقافتها الخاصة، وحفاظاً على مكانتها الحقيقية في المنطقة.

 

المصادر والهوامش:

1-معاهدة تأسيس اتحاد المغرب العربي (1989): الموقعة في مدينة مراكش بتاريخ 17 فبراير 1989، الديباجة والمواد (1، 2، 3).

2-دستور المملكة المغربية (2011): المنشور في الجريدة الرسمية، العدد 5964 مكرر، بتاريخ 30 يوليو 2011. (الديباجة والمادة 5).

3-خطاب الملك محمد السادس أمام البرلمان التونسي (2014): المُلقى أمام المجلس الوطني التأسيسي التونسي في مدينة تونس، بتاريخ 31 مايو 2014. أرشيف الخطب الملكية، وزارة الإسقاط والإعلام المغربية.

4-البيان المشترك التونسي-المغربي (2014): الصادر في ختام الزيارة الرسمية لملك المغرب إلى تونس، بتاريخ 1 يونيو 2014، أرشيف وزارة الشؤون الخارجية للجمهورية التونسية.

5-الأصفهاني، عماد الدين (519 – 597 هـ): خريدة القصر وجريدة العصر، مقدمة الكتاب.

6-شفيق، محمد (2003): لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرناً من تاريخ الأمازيغ، دار تافينات، الرباط.

7-شرف الدين، فهمي (2015): المغرب الكبير: البديل الجغرافي والسياسي لـ “المغرب العربي”، دار المعرفة للنشر، بيروت.

8-البارودي، عبد الحكيم (2021): المؤسسات الدستورية والتحولات السياسية في شمال أفريقيا، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والسياسية، المجلد 58، العدد 2.

9-مركز دراسات وبحوث الشرق الأوسط: الأقليات العرقية والاندماج الوطني: الأكراد في الأردن نموذجاً، عمان، 2018

قد يعجبك ايضا