العبور الى.. الشرق الاوسط الجديد

شـــريف علي

يشهد الشرق الأوسط في العقد الأخير تحولاً بنيوياً عميقاً يعيد صياغة أسس النظام الإقليمي الذي تشكّل منذ انهيار الدولة العثمانية. فالدول التي بدت مستقرة لعقود بدأت تتآكل من الداخل، والحدود التي رُسمت قبل قرن تتعرض لإعادة تعريف قسرية تحت ضغط الحروب وتبدّل موازين القوة. لم يعد المشهد محكوماً باتفاقية سايكسبيكو، بل بقدرة الفاعلين الجدد على فرض وقائع ميدانية تتجاوز النصوص القانونية والخرائط الرسمية. هذا التحول لا يمكن فهمه دون العودة إلى السياق التاريخي الذي مهّد له، بدءاً من سقوط نظام البعث في العراق عام 2003، مروراً بتفكك الدولة السورية بعد 2011، وصولاً إلى اللحظة المفصلية عام 2014 حين تمدد تنظيم داعش في العراق وسوريا، وانهارت مساحات واسعة من سلطة الدولتين، وبرزالدور الكوردي من خلال قوات البيشمركة وحكمة قيادتها كقوة منظمة قادرة على وقف الانهيار . انتصار البيشمركة لم يكن مجرد حدث عسكري، بل محطة سياسية أعادت تعريف دور الكورد في المعادلة الإقليمية، ورسّخت حضورهم كفاعل يمتلك شرعية القوة وشرعية الدور. وفي تلك المرحلة، جاءت تصريحات القائد الكوردستاني مسعود بارزاني حول انتهاء صلاحية سايكسبيكو لتشكل إعلاناً فلسفياً لنهاية مرحلة تاريخية وبداية أخرى تتجاوز الحدود القديمة.
فالحروب التي شهدتها المنطقة خلال العقد الأخير لم تكن عشوائية، بل أدت وظائف محددة في إعادة هندسة الشرق الأوسط. الحرب السورية، على سبيل المثال، تحولت إلى ساحة صراع دولي مفتوح، وجرى تقسيم البلاد فعلياً بين روسيا وتركيا وإيران والولايات المتحدة وقوات سوريا الديمقراطية ، بينما تلاشت سلطة الدولة المركزية الى ان سقطت نهائيا في الثامن من ديسمبر كانون الاول 2024 هذا التفكك والسقوط أنتج حدوداً جديدة، بعضها معلن وبعضها مفروض بقوة السلاح، وأعاد توزيع السيطرة على الجغرافيا السورية وفق منطق النفوذ لا منطق السيادة.
صعود داعش ثم انهياره كان بدوره أداة لإعادة توزيع السيطرة بين بغداد وأربيل والحشد الشعبي المدعومة من إيران، ما خلق واقعاً حدودياً جديداً لا يمكن تجاهله. هذه الأحداث لم تكن مجرد نتائج للحرب، بل آليات لإنتاج خرائط جديدة، حيث أصبحت الحرب نفسها أداة لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسية.
أما التدخل التركي في شمال سوريا والعراق، فهو جزء من عقيدة أمن قومي عمرها عقود، تقوم على منع تشكل كيان كوردي مستقل على حدودها الجنوبية. تركيا التي تتحرك في محاربة الكورد تحت عباءة احتواء نفوذ حزب العمال الكردستاني، فهي تعمل بكل ثقلها لمنع امتداد المشروع القومي الكوردي الذي يقوده الحزب الديمقراطي الكوردستاني، عبر توظيف أطراف كوردية من الداخل التركي والعراقي . حيث تسعى إلى تثبيت شريط نفوذ يمتد من عفرين، إلى مخمور مرورا بمنبج وجرابلس وسري كانية وشنكال، بهدف إعادة رسم حدود نفوذها داخل الجغرافيا السورية ، وفرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد تضمن لها السيطرة على المجال الحدودي .ومنع تكرار تجربة جنوب كوردستان ضمن الحدود السورية .
الاتفاقات الإبراهيمية مثلت بدورها خطوة استراتيجية لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية . فقد فتحت الباب أمام محور جديد يجمع إسرائيل وعدداً من دول الخليج، في مواجهة محور آخر تقوده إيران وبالتنسيق مع تركيا عبر شبكة واسعة من الوكلاء.
الصراع الإيرانيالإسرائيلي بالوكالة أصبح جزءاً من آليات إعادة التشكل، سواء عبر الضربات الجوية المباشرة أو عبر المواجهات غير المباشرة في البحر الأحمر والخليج. هذه الحروب الصغيرة تعيد رسم حدود النفوذ وتحدد شكل النظام الإقليمي المقبل، وتكشف عن انتقال المنطقة من صراع الدول إلى صراع المحاور.
وسط هذا المشهد، يبرز الكورد كأحد أهم الفاعلين في الشرق الأوسط الجديد. فهم يمتلكون قوة عسكرية منظمة، وجغرافيا استراتيجية، وشراكات دولية متنامية. البيشمركة أثبتت أنها قوة قادرة على حماية مناطقها وعلى لعب دور محوري في مواجهة الإرهاب . ومع ذلك، يواجه الكورد ضغوطاً متزايدة من تركيا وإيران، وحتى من الولايات المتحدة التي تمارس “إدارة نفوذ” لا “احتواء”، عبر موازنة علاقاتها مع الكورد ومع أنقرة وبغداد في آن واحد. هذا التعقيد يجعل الدور الكوردي حساساً، لكنه يمنحهم أيضاً فرصة لإعادة تعريف موقعهم كفاعل إقليمي لا يمكن تجاوزه.
الشرق الأوسط يتجه نحو مرحلة أكثر اضطراباً، حيث يبقى احتمال اندلاع صراع سنيشيعي واسع قائماً، خصوصاً إذا دخلت المنطقة مرحلة ما بعد إيران، سواء عبر تغيير داخلي أو عبر تسوية دولية تُضعف نفوذها. الأطراف التي قد تستفيد من هذا الصراع تشمل القوى التي تسعى لإعادة توزيع النفوذ في الخليج والعراق وسوريا، إضافة إلى القوى الدولية التي ترى في الصراع الطائفي وسيلة لإعادة ضبط التوازنات.
لكن مع تراجع الدور الإيراني المحتمل، قد تتجه القوى الدولية إلى فتح ملف تركيا، التي أصبحت لاعباً يصعب احتواؤه. وما الاتفاق الأمريكياليونانيالقبرصيالإسرائيلي مؤخرا حول الغاز في شرق المتوسط ، والذي استبعد منه تركيا ليس مشروعاً لتفكيك تركيا، لكنه جزء من شبكة ضغط استراتيجية تهدف إلى تقليص نفوذ أنقرة في البحر المتوسط، وإعادة ضبط ميزان القوة البحرية، بإنشاء شبكة تحالفات أمنية تُحجّم قدرة تركيا على المناورة في البحر، وتعيد تعريف حدود نفوذها البحري بما يتوافق مع المصالح الغربية،. هذا المسار سيؤثر مباشرة على مستقبل الكورد وعلى شكل الحدود في شمال سوريا والعراق وعلى ضوء التعاطي التركي مع الملف الكوردي.
في هذا الشرق الأوسط الجديد، سيكون موقع الكورد مرتبطاً بقدرتهم على بناء وحدة سياسية، وحتى عسكرية، وتعزيز تحالفاتهم الدولية ، وتجنب الانجرار إلى صراعات المحاور . الفرصة التاريخية تكمن في أن التفكك الإقليمي يفتح الباب أمام إعادة تعريف دورهم، بينما يكمن التحدي الأكبر في تحويل هذا الدور إلى مشروع سياسي مستدام قادر على الصمود في وجه الضغوط الإقليمية والدولية . كون المنطقة مقبلة على مرحلة إعادة رسم الخرائط، ومن لا يمتلك القوة والتنظيم والرؤية سيجد نفسه خارج اللعبة ، ولم يعد مستقبل الكورد رهينة قرارات الآخرين كما كان الحال في القرن الماضي، ولا يمكن التعامل معهم بوصفهم هامشاً جغرافياً أو كتلة بشرية قابلة للإلحاق.
فالتغيرات البنيوية التي يشهدها الشرق الأوسط، من تفكك الدول إلى إعادة رسم الحدود وصعود الفاعلين غير الدولتيين اللتان حددتا مصير المنطقة، جعلت من الكورد قوة لا يمكن تجاوزها في أي معادلة سياسية أو أمنية. لقد أثبتوا، عبر تجربتهم العسكرية والمؤسساتية، أنهم قادرون على حماية مناطقهم، وإدارة شؤونهم، وبناء شراكات دولية مستقرة، الأمر الذي نقلهم من موقع المتلقي إلى موقع المشارك في صياغة التوازنات الإقليمية.
ومع توسع دورهم في العراق وسوريا، وتزايد وزنهم في الحسابات الأمريكية والاوربية والإقليمية، بات من الواضح أن الشرق الأوسط الجديد لن يُرسم من دونهم، وأن أي مشروع لإعادة هندسة المنطقة سيحتاج إلى أخذ مصالحهم في الحسبان، لا بوصفها مطالب محلية، بل باعتبارها جزءاً من البنية الاستراتيجية الجديدة.
إن الكورد اليوم يقفون على عتبة مرحلة مختلفة، مرحلة لا يُعاد فيها تشكيل مستقبلهم في غرف مغلقة أو عبر صفقات دولية تتجاوزهم، بل عبر حضورهم الفعلي في ميادين السياسة والأمن والاقتصاد. لقد أصبحوا جزءاً من معادلة القوة، وعنصراً فاعلاً في ديناميات الصراع والتسوية، وشريكاً لا يمكن تجاهله في ترتيبات ما بعد الحروب. ومع أن التحديات لا تزال كبيرة، من الضغوط التركية والإيرانية إلى تناقضات الموقف الأمريكي، فإن الفرصة التاريخية تكمن في أن الكورد باتوا يمتلكون القدرة على التأثير في مسار الأحداث، لا انتظار نتائجها. الشرق الأوسط الجديد يتشكل، والكورد ليسوا على هامشه، بل في قلبه، يساهمون في صياغته، ويحددون موقعهم فيه، ويثبتون أن زمن رسم مستقبلهم بقرارات الآخرين قد انتهى.

قد يعجبك ايضا