دائرة الجفاء المفرغة: عندما يصبح رحيل الأم ذريعة لعقوق الأب

ماهين شيخاني

مقدمة

في غمرة تعقيدات الحياة، تبرز أحياناً ظواهر اجتماعية تُدمي القلوب وتصدم الفطرة السليمة. ومن أشد هذه الظواهر قسوة، تلك الحالة التي ينقلب فيها الأبناء الكبار على والدهم المسن والمريض، متخذين من حبهم الجارف لذكرى والدتهم المتوفاة غطاءً عاطفياً لإهماله.

إننا هنا لسنا أمام مجرد خلاف عائلي عابر. بل نحن أمام خلل قيمي مركب، يُخلط فيه بين عاطفة الفقد وواجب البر، وتُدفع ثمنه أطراف مستضعفة لا ذنب لها.

أولاً: الحب لا يبرر الظلم

مما لا شك فيه أن للأم مكانة لا تُمس، وأن رحيلها يترك جرحاً غائراً في نفوس أبنائها. لكن الخطأ الفادح يكمن في تحويل هذا الوفاء إلى سلاح يُشهر في وجه الأب.

إن برّ الأم المتوفاة لا يمر عبر بوابة عقوق الأب الحي.
بل إن أصدق تعبير عن حسن تربية تلك الأم ورضاها في قبرها، هو أن يرى المجتمع أبناءها بارّين بوالدهم، متمسكين بأواصر أسرهم.

قال الله تعالى: “وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا” (الإسراء: 23).

لم يقل الله: “بالوالدين إحساناً ما داما يسألان عنك”. البر واجبٌ بحق الأب والحي والميت، وليس عقداً تجارياً يخضع لشرط المقابلة.

إن استخدام ذكرى الأم كغطاء عاطفي للتخلي عن الأب هو هروب نفسي من المسؤولية. بل هو تزييف للواجبات التي فرضتها الأديان والشرائع.

ثانياً: مغالطة “المعاملة بالمثل” في بر الوالدين

يردد بعض الأبناء تبريراً واهياً: “هو لا يسأل عنا، فلماذا نسأل عنه؟”

وهنا تكمن الطامة الكبرى.

علاقة الأبناء بآبائهم في ميزان الأخلاق والإنسانية ليست علاقة ندية تخضع لمبدأ “تهملني فأهملك”. الأب اليوم ليس في قمة قوته وعطائه. إنه رجل مسن، يئن تحت وطأة المرض، وتثقله السنون. وعندما يشعر بالجفاء أو يتصرف بعزة نفس أو يلوذ بالصمت، فهنا تقع المسؤولية كاملة على الطرف الأقوى والأوعى: الأبناء الكبار.

قال رسول الله ﷺ: “الوالد أوسط أبواب الجنة، فأنت إن شئت فأضع ذلك الباب أو احفظه”.

فكيف يُهان ذلك الباب؟ وكيف يُترك ليموت وحيداً بين جدران صامتة؟

ثالثاً: الضحايا المنسيون – أطفال في مهب الريح

تزداد القصة مأساوية عندما نلتفت إلى أن في رقبة هذا الأب المسن أطفالاً قُصراً من زوجة ثانية. هؤلاء الصغار، الذين هم إخوة هؤلاء الكبار، يواجهون مستقبلاً مجهولاً في ظل مرض معيلهم وإهمال سندهم.

إن إهمال الأب لا يعني عقوقاً لشخصه فحسب، بل هو تخلي عن أطفال مستضعفين، وقطيعة رحم معلنة لإخوة صغار لا ذنب لهم في خلافات الماضي، ولا في طباع الأب، ولا في اختيار الزوجة الثانية.

كيف ينام امرؤ ملء جفونه وهو يعلم أن أباه المريض يعاني عجز النفقة أو الرعاية، وأن إخوته الصغار يفتقدون الأمان والعطف؟ أليست هذه قطيعة رحم محرمة؟

حكاية واقعية – قصة عائلة تعلمت الدرس متأخراً

سعاد كانت امرأة في الأربعين، توفيت والدتها فجأة. حزنت حزناً شديداً، وظنت أنها تكرم ذكراها بمقاطعة والدها الذي تزوج بعد عام. تركته وحيداً، لا تسأل عنه، ولا تطمئن على صحته.

مرت سنوات. ثم توفيت حماتها فجأة، وترك زوجها والده المسن دون راعٍ. نظرت إلى والد زوجها فرأت أباها. نظرت إلى نفسها فرأت ابنتها يوماً تفعل بها ما فعلته بأبيها. عادت إليه باكية، فوجدته قد نسيها. لم يتبقَّ من عمره سوى أيام، ودّع فيها الدنيا دون أن تشبع من حنانه.

هذه القصة ليست خيالاً، إنها واقع. وتتكرر كل يوم في بيوت لا نراها.

رابعاً: حلول عملية قبل فوات الأوان

ما الذي يمكن فعله؟ وكيف نكسر هذه الدائرة المفرغة؟

1. مبادرة من طرف الأبناء: لا تنتظر أن يسأل الأب. اسأل أنت. زر. اتصل. هذا هو البر بعينه.
2. توزيع المسؤوليات: اجتمع الإخوة، ووزعوا مهام الرعاية والطبابة والنفقة، كلٌّ حسب قدرته.
3. الوساطة العائلية: إذا كان هناك جفاء تاريخي، استعن بقريب عاقل أو شيخ ثقة أو مختار ليصلح بين الأطراف.
4. الاستشارة النفسية: أحياناً يكون الجفاء ناتجاً عن صدمة فقد الأم أو عن تراكمات غير محلولة. جلسات استشارية قد تنقذ علاقة قبل أن تنهار.
5. تذكير دائم بالله والدار الآخرة: الدنيا قصيرة، وسيجد كل إنسان جزاء ما فعل في أهله. وكما تدين تُدان.

خاتمة: لا تنتظر أن يقرع الموت الباب

إن عقوق الوالدين من الذنوب التي قد تُعجل عقوبتها في الدنيا قبل الآخرة. وكما تدين تُدان. الزمان يدور سريعاً، وقد يجد العاق نفسه يوماً وحيداً مسناً يجرع من الكأس نفسها التي سقاها لوالده.

بادروا قبل أن يُغلق الباب. قبل أن يقف أحدكم أمام قبر أبيه حاملاً غصة الندم التي لا ينفع معها بكاء.

واعلموا أن برّكم بأبيكم اليوم هو أعظم هدية ترفعونها لروح والدتكم في مرقدها، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

قد يعجبك ايضا