المثقف الحقيقي لا يصفق لقومه

علي الحياني

يقول عالم الاجتماع العراقي الشهير الدكتور علي الوردي إن المثقف الحقيقي هو الذي لا يناصر قومه إذا كانوا على خطأ، وهي مقولة تختصر أزمة كبيرة يعيشها مجتمعنا اليوم، فالكثير ممن يطلق عليهم لقب النخبة أو المثقفين ما زالوا أسرى الانتماءات الضيقة، يتعاملون مع الحقيقة وفق الهوية لا وفق المبدأ، ومع الخطأ بحسب هوية مرتكبه لا بحسب حجم الضرر الذي يسببه.

ومن خلال تواجدي في العديد من الكروبات والمنتديات الخاصة بما يعرف بالنخب السياسية والإعلامية ومن مختلف المكونات والتوجهات على منصة “واتساب” لاحظت ظاهرة تكاد تكون مشتركة بين الجميع، إذ يحرص أغلب الموجودين على إبقاء أخطاء جماعتهم داخل الغرف المغلقة، ويرفضون توجيه أي انتقاد علني لمسؤول أو حزب أو شخصية تنتمي إلى محافظتهم أو قوميتهم أو مذهبهم، وكأن كشف الخطأ خيانة، أو كأن الصمت نوع من الوفاء والانتماء.

الكثير من السنة يدركون حجم الأخطاء داخل وسطهم السياسي، والكثير من الشيعة يعترفون فيما بينهم بوجود فساد وفشل وسلبيات كبيرة، فالجميع يعرف حجم الأزمات والمشكلات داخل بيئته السياسية، لكن المشكلة أن هذا الاعتراف يبقى سرياً، يدور داخل الجلسات الخاصة فقط، أما أمام الطرف الآخر فيتحول الجميع إلى محامين ومدافعين، لا خوفاً على الحقيقة، بل خوفاً من أن يمنحوا خصومهم مادة للهجوم أو “لزكة” كما يقال شعبياً.

وهنا تتحول الثقافة إلى مجرد انتماء أعمى، ويتحول المثقف إلى مشجع سياسي لا يختلف كثيراً عن مشجع كرة القدم الذي يرفض الاعتراف بأخطاء فريقه مهما كانت واضحة، بينما يفترض بالمثقف أن يكون صاحب موقف، لا صاحب اصطفاف، وأن يكون أقرب إلى الحقيقة من قربه إلى الجماعة.

المشكلة الأكبر أن هذا السلوك لا يقتصر على السياسيين فقط، بل امتد إلى الإعلاميين والكتاب وحتى مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، فأصبح الكثيرون يتعاملون مع القضايا العامة بعقلية الجمهور المشجع لا بعقلية الباحث عن الحقيقة، فإذا أخطأ خصمهم تضخمت أخطاؤه، وإذا أخطأ من ينتمي إليهم بدأت التبريرات ومحاولات الالتفاف على الحقيقة، وكأن العدالة يجب أن تتغير بحسب الأسماء والانتماءات.

أخطر ما يصيب المجتمعات ليس وجود الفاسدين أو الفاشلين فقط، بل وجود مثقفين يبررون لهم أو يصمتون عنهم بحجة حماية المكون أو الطائفة أو القومية، لأن هذا الصمت يمنح الخطأ فرصة للاستمرار، ويجعل الفساد يتحول إلى أمر طبيعي لا يثير الاستغراب، فالفاسد لا يخشى الناس بقدر ما يخشى من يفضحه ويكشفه أمام الرأي العام.

كما أن المجتمعات التي تقدس الأشخاص والأحزاب أكثر من المبادئ تتحول تدريجياً إلى مجتمعات عاجزة عن الإصلاح، لأن أي نقد فيها يفسر على أنه استهداف أو مؤامرة، بينما النقد الحقيقي هو أول خطوة نحو التصحيح، ولا توجد تجربة ناجحة في العالم تقدمت من دون أصوات ناقدة تضع يدها على الخلل مهما كانت حساسية الموضوع.

المثقف الحقيقي برأيي ليس ذلك الذي يهاجم الآخرين طوال الوقت ويتغاضى عن أخطاء جماعته، بل الذي يمتلك الشجاعة الكافية لانتقاد بيئته أولاً، ومحاولة تصحيحها، لأن النقد الصادق لا يعني الكراهية، بل يعني الحرص على الإصلاح، أما من يردد مقولة “انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً” بمعناها الخاطئ، فهو لا يخدم قومه، بل يساهم في إدامة أخطائهم وعزلهم عن الحقيقة.

إن المجتمعات لا تتقدم بالمجاملات، ولا تبنى بالتغطية على العيوب، بل تتطور حين يصبح الاعتراف بالخطأ فضيلة، والنقد مسؤولية، والحقيقة أعلى من الانتماءات.

قد يعجبك ايضا