امجد عبدالكريم
في بعض البيئات الإدارية، لا تُواجه الكفاءة بالتقدير الذي تستحقه، بل بالتقليل من شأن صاحبها. فبدلاً من النظر إلى ما يمتلكه الفرد من معرفة وخبرة ورؤية، يُنظر إلى موقعه الوظيفي ورتبته وحجمه داخل المؤسسة. وهكذا لا يصبح التقييم قائماً على ما يقدمه الإنسان، بل على المكان الذي يشغله.
ومع تكرار هذا النمط، يتغير سلوك صاحب الرؤية نفسه. يبدأ بالتراجع خطوة قبل أن يتكلم، يختصر جُمله، يخفف من حدته، أو ينسحب تماماً من دائرة الاقتراح. ليس لأنه فقد القدرة، بل لأنه فهم الرسالة غير المكتوبة: أن المشكلة ليست في الفكرة او الرؤية ، بل في من قالها.
وهكذا، يتحول التهميش من مجرد إهمال إلى عملية دقيقة لإعادة تشكيل الحضور الإنساني داخل المؤسسة. يتم فيها تقليل الصوت، ثم تقليل الأثر، ثم تقليل الشخص نفسه، حتى يصبح مجرد موظف يؤدي ما يُطلب منه دون أن يُرى ما يمكن أن يضيفه.
في النهاية، لا تُقتل الأفكار لأنها ضعيفة، بل لأنها لم تُنسب إلى “الشخص المناسب”، في بيئة تقيس قيمة العقل بظل صاحبه لا بضيائه
وتتفاقم هذه الظاهرة حين تُقاس قيمة الإنسان بحضوره الجسدي أكثر من حضوره العقلي، وبمدى وجوده داخل المشهد لا بمدى إسهامه في تطويره. فبعض المؤسسات، عبر تراكم ممارسات طويلة، تميل إلى تكريس الظهور والالتزام الشكلي على حساب الفكر والمبادرة، حتى يغدو الموقع الوظيفي أحياناً أكثر تأثيراً من الكفاءة والرؤية. وفي مثل هذه البيئات يُدفع أصحاب العقول إلى معادلة غير متوازنة؛ إذ يُطلب منهم الامتثال أكثر من الابتكار، فتتراكم طاقات غير مستثمرة داخل المؤسسة، ويتراجع دور العقل لصالح الشكل، ما يضعف قدرتها تدريجياً على التجدد والتطوير
ومع مرور الوقت تتشكل بيئة لا تُكافئ المبادرة بقدر ما تُكافئ الموقع، فتفقد المؤسسات جزءاً من قدرتها على التجدد والتطوير. وعندما يتكرر هذا النمط، لا تخسر المؤسسة فكرة واحدة، بل تخسر طاقات ورؤى كان يمكن أن تصنع فرقاً حقيقياً في أدائها ومستقبلها.
وتزداد المشكلة عمقاً حين يضعف القطاع الخاص وتتراجع قدرته على استقطاب الكفاءات. فكلما ضاقت البدائل أمام أصحاب الخبرة، ازدادت قدرة المؤسسات الرسمية على احتكار الفرص. أما في البيئات التي يمتلك فيها القطاع الخاص حضوراً قوياً، فإن الكفاءة تجد أكثر من طريق لإثبات ذاتها، وتصبح القيمة الحقيقية للإنسان فيما يقدمه لا فيما يحمله من عنوان وظيفي.
لذلك فإن تفعيل القطاع الخاص لا يمثل ضرورة اقتصادية فحسب، بل ضرورة تنموية أيضاً. فالمجتمعات لا تتقدم عندما تحتفظ بالعقول في الهامش، بل عندما تفتح أمامها المساحات التي تستحقها، وتمنح الرؤية والكفاءة فرصة تتجاوز حدود الألقاب والمواقع.