هل يكون الجميلي كبش فداء لمنظومة الفساد المالي في العراق؟

د.حسام ممدوح

دأبت المنظومات السياسية والأمنية في العالم على تقديم ضحايا لحماية نفسها في حال تعرضت لضغط أو موقف خطير قد يودي بالمنظومة كلها.

هذا المشهد تكرر في كثير من البلدان، سواء أكانت تلك البلدان متقدمة أم متخلفة.

وقد يكون هذا الأمر جزء من سلوكيات العمل السياسي فحماية المنظومة جميعها أولى من حماية الافراد، ومن ذلك ما يحصل بعد الهزائم العسكرية وما يحصل عند افتضاح ملفات فساد تشترك فيها جهات عدة.

فعلى سبيل المثال عند افتضاح قضية تجسّس الحزب الجمهوري الأميركي على الحزب الديمقراطي الأميركي في ما سمّي بـ(فضيحة ووترغيت) حاولت إدارة الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون إخلاء مسؤوليتها عبر تحميل المسؤولية لعدد من المسؤولين الأدنى رتبة خشية أن يصل الأمر للمستويات الأعلى في الإدارة الأميركية.

كذلك في بريطانيا وبعد فضيحة سياسية واخلاقية هزّت الحكومة البريطانية عام 1963 وكادت أن تودي بالحكومة آنذاك، لذا كانت استقالة وزير الحرب البريطاني (جون بروفومو) لينقذ موقف الحكومة.

وبالانتقال للمشهد السياسي في العالم العربي فإن حادثة المشير عبد الحكيم عامر بعد نكسة 1967والذي رأى مؤرخين مختصين بالتاريخ السياسي العربي والمصري أنه حمّل الجزء الأكبر من المسؤولية عن الهزيمة، وكان كبشاً لفداء المنظومة السياسية المصرية آنذاك.

وهناك من يرى أن النظام السياسي العراقي حمّل سعدون حمادي رئيس الحكومة العراقية إبان حرب الخليج الثانية 1991 مسؤولية نتائج الحرب، والتي كادت أن تطبيح بالنظام السياسي العراقي أنذاك.

وبالعودة إلى ملف الفساد المالي في العراق، فإنه بلا شك يشكّل الفساد المالي في العراق منظومة حقيقية بأحجام كبيرة جداً، وأن الأسماء المرتبطة بهذه المنظومة كبيرة جداً.

فالتقديرات الدولية تشير إلى أن حجم الفساد بلغ مليارات الدولارات، دون القدرة على إعطاء رقم صحيح لهذا الفساد ولو تقديراً، فالفساد في العراق منهجي وواسع النطاق بحسب البنك الدولي، إلاّ أن ما يعرض اليوم أمام هيئة النزاهة يمثّل جزءاً يسيراً من حجم هذا الفساد، كما أن الأسماء التي تقدم قليلة جداً من حيث العدد مقارنةً بعدد المشتركين بالملفات المشبوهة في العراق..

في الحكومة السابقة كان ملف (نور زهير) الذي لم يصل للمحاكمة ونجح في الفرار من العراق، فيما بقي ملفه مفتوحاً مع حجم مبلغ تجاوز الـ(3.7) ترليون دينار بما يعادل (2.5) مليار دولار، فيما أشارت تقديرات لمصادر غير رسمية أن قيمة الفساد في هذه القضية وصل إلى (8) ترليونات دينار.

ومع ذلك أختفت القضية تدريجياً على المستوى الإعلامي ولم تسترد الدولة إلاّ الجزء اليسير من المبالغ المرتبطة بهذه القضية على الرغم من أحاديث كثيرة كانت تتداول إعلامياً عن ارتباط أسماء كبيرة بهذه الصفقة وأنها أكبر بكثير مما كشف عنه.

أما في حكومة السيد علي الزيدي فمع استلامها لمهامها أتهم الزيدي وكيل وزير النفط (عدنان الجميلي) بعرض مبلغ مالي كرشوة، ليفتح ملفه، وبعد مداهمة سريعة لمنزله تبيّن أن الجميلي -بحسب التحقيقات يحتفظ في منزله بمبلغ (12) مليون دولار، وأنه يمتلك (40) عقار فضلاً عن مصوغات ذهبية وأسلحة.

ومع مرور الوقت بات الجميلي يتصدر المشهد، فتارة نسمع عن عقاراته وتارة عن صحّته وتدهورها وتارة عن السلاح الذي عثر عليه في منزله، دون البحث عن خلفياته، والجهات الحقيقية التي تقف خلفه؟ وهل يعقل أن يتصدّر شخص منصبه لا يتجاوز وكيل وزير مشهد الفساد المالي في العراق وسط أحاديث عن منظومة كبيرة من الفساد تضم أسماء كبيرة جداً على مستوى العراق.

فهل يدفع بالجميلي ليكون كبشاً لفداء منظومة الفساد في العراق؟

وهل يحمّل الجميلي تبعة كل ما سرق من خزينة الدولة طيلة العقدين الأخيرين ليُسكت عن المليارات التي سليت من الدولة العراقية بعيداً عن أعين الأجهزة الرقابية؟

إن حقيقة الأمر لا تتعلّق بالسيد (عدنان الجميلي) والمتهم الآن أمام الأجهزة المختصّة، وعن صحّة التهم الموجهة له من عدمها، إننا نتكلم هنا عن عملية مكافحة الفساد والتي من المفترض أن تتحوّل لمشروع حقيقي تتبنّاه الدولة تعمل من خلاله كمنظومة تسهم فيها خبرات دولية لاسيما ونحن نتكلم عن الفساد في العراق والذي يعمل كمنظومة متشابكة ومتداخلة من المصالح والنفوذ.

قد يعجبك ايضا