عامٌ على الرحيل.. كريم شنگالي رجل الأيام الصعبة في شهادة الرئيس مسعود بارزاني

فينوس بابان

في مثل هذا اليوم، تخيم على إقليم كوردستان سحابة من الحزن النبيل والعميق إذ تحلّ الذكرى السنوية الأولى لرحيل رجل الأيام الصعبة والمنعطفات التاريخية الحرجة، السيد كريم شنگالي، في هذا اليوم لا نستذكر مجرد مسؤول غادر المشهد السياسي بل نقرأ في سفر النضال الكوردستاني الحديث قصة مسؤول بارز صاغ بعرقه وحنكته القانونية وصارمته الإنسانية معالم الاستقرار المؤسساتي، ورحل تاركاً خلفه إرثاً غنياً يتجلى في تماسك وقوة المؤسسات التي أشرف على بنائها بعد أن ساهم بفعالية في إرساء ركائز إدارية متينة أثبتت الأيام عمق إخلاصه الحديدي لنهج “الكوردايتي” في تصميمها وإدارتها.
​لقد بدأت حكاية هذا الطراز الفريد من رجال الدولة من خنادق التضحية الأولى، فمنذ مقتبل شبابه التحق بصفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني متأثراً بالفكر القومي والنهج التحرري للأب الروحي للأمة الكوردية الجنرال الخالد ملا مصطفى البارزاني، وفي محطة تاريخية تختزل عمق الثقة المبكرة بنبوغه ورغم حداثة سنه وتخرجه للتو في كلية الحقوق والسياسة بجامعة بغداد عام 1971 التفت إليه الملا مصطفى البارزاني واضعاً على عاتقه مسؤولية بالغة الحساسية والإنسانية وهي الإشراف الكامل على ملف شهداء ثورة أيلول العظيمة وعوائلهم، هذا الموقف لم يكن مجرد تكليف إداري، بل كان المعمودية الوجدانية والسياسية للراحل حيث تعلم في مدرسة البارزاني الخالد أن صون كرامة قوات البيشمركة ورعاية عوائل الشهداء هي أقدس الواجبات وظل هذا الدرس البوصلة الأخلاقية التي وجهت خطاه طوال عقود كفاحه اللاحقة في الجبل وفي أروقة الإدارة.
​هذا الإخلاص الاستثنائي والالتزام الحديدي بالثوابت القومية أثمر عن علاقة رفقة درب ونضال وثيقة وعميقة مع الرئيس مسعود بارزاني وهي رفقة تكللت بمواقف تاريخية مشهودة تعكس حجم المكانة التي حظي بها السيد كريم شنگالي في وجدان القيادة، وحين وافت المنية الراحل، حظي جثمانه الطاهر بمراسم استقبال وجنازة رسمية مهيبة تليق برجالات كوردستان الكبار حيث كانت القيادة السياسية وعلى رأسها الرئيس مسعود بارزاني في مقدمة المودعين والمستقبلين للجثمان في مشهد جسد أسمى قيم الوفاء والتقدير لعقود من نضاله المطلق ونزاهته التي لم تشبها شائبة وهو التكريم الأسمى الذي يناله كادر مخلص في ختام مسيرته الوطنية.
​تجلت العبقرية الإدارية والأمنية للسيد كريم شنگالي حين تولى حقيبة وزارة الداخلية لسنوات طويلة وتحديداً منذ بداية الألفية الجديدة في تشكيلات حكومية متعاقبة بالتزامن مع إدارته لوزارة البيشمركة بالوكالة في أدق المراحل التاريخية وأكثرها خطورة خلال الحرب الضروس ضد تنظيم داعش الإرهابي، في تلك الفترة الحرجة، نجح في الجمع بين قيادة الأمن الداخلي والدفاع السيادي تحت توجيهات القيادة العليا، حيث برزت خلفيته القانونية الأكاديمية في مأسسة المنظومة الأمنية وتطوير أداء المؤسسات الشرطية والدفاعية تحت مظلة سيادة القانون ومبادئ حقوق الإنسان. ساهم بقوة في جعل إقليم كوردستان واحة أمان وملاذاً مستقراً للاستثمارات والبعثات الدولية وصاغ رؤية أمنية حمت إقليم كوردستان بكل مكوناتها القومية والدينية دون تمييز ولعل أبرز تجليات إنسانيته وعقيدته الوطنية الشاملة ظهرت في إدارته الحصيفة لملف ملايين النازحين واللاجئين الذين تدفقوا على الإقليم إبان حرب داعش؛ حيث وجه بفتح الأبواب وتأمين الحماية والعيش الكريم للمسيحيين والإيزيديين والعرب، تجسيداً لقيم إقليم كوردستان الإنسانية وعدالتها.
​ولم تقتصر بصماته على مأسسة الأمن والدفاع بل امتدت حنكته الإدارية لتتوج بإدارته الحصيفة لرئاسة مكتب رئيس إقليم كوردستان ، حيث كان رجل المهام التنظيمية والدبلوماسية الصامتة متميزاً بالهدوء والقدرة الفائقة على تفكيك الأزمات المعقدة وتقريب وجهات النظر بين القوى المختلفة واضعاً المصلحة العليا لإقليم كوردستان فوق كل الاعتبارات.
​إن القيمة الإنسانية الكبرى التي جعلت من السيد كريم شنگالي قامة تُفتقد ملامحها الشخصية اليوم وبشدة هي معادلة الحزم الرحوم في الإدارة، فقد كان صارماً، دقيقاً، لا يساوم في مكان مسؤوليته وحفظ النظام العام لكنه بمجرد أن يلتفت لمن حوله، يتحول إلى أب حنون وأخ كريم وإنسان نبيل مع كل الذين يعملون معه، لم يكن يوماً مسؤولاً يعيش في البروج العاجية بل كان ميدانياً يقدر بشكل شخصي جهد أصغر منتسب وضابط في قوات الأمن والبيشمركة، يشد على أياديهم ويستمع إلى همومهم ويتفقد أحوالهم فزرع في قلوب مرؤوسيه عقيدة العطاء القائمة على المحبة والاحترام والولاء الصادق للمؤسسة.
​اليوم في ذكرى رحيله الأولى، نقيم هذا الجهد الإنساني والوطني العظيم بالإجلال والانحناء، فقد غاب الجسد لكن البصمات الإدارية للسيد كريم شنگالي ستبقى حية، متكاملة مع مسيرة البناء والتطوير التي تقودها حكومة الإقليم كوردستان ورجالاتها المخلصين اليوم ومنارة تستهدي بها الأجيال الحاضرة والمستقبلية لتعلم كيف يكون البيشمرگة وفياً لوطنه، مخلصاً لقيادته، وبانياً لمؤسسات دولته حتى آخر رمق في حياته.

قد يعجبك ايضا