سمير ميراني
عندما نتحدث عن الشر، نتحدث عن الإنسان العاقل القادر ذلك الذي يحمل من الوعي ما يجعله أكثر قدرة على تحويل القوة إلى وحشية، وتحويل المعرفة إلى أداة للهيمنة، يبدأ هذا المسار منذ لحظة اختلال العلاقة بين الإنسان وربه، ثم يتسع عبر تاريخ طويل من الصراعات الإنسان الآخر، وصولاً إلى حالة يصبح فيها تدمير بني جنسه جزءاً من مساره، وكأن هذا التدمير يقوده تدريجياً إلى تدمير ذاته، يستمر هذا السلوك المتعالي حتى يصل إلى نقطة يهدد فيها بقاءه نفسه، وكأن الإنسان يضغط على وجوده حتى يذوبه من الداخل، فينقرض تدريجياً نتيجة تراكم ما تصنعه يداه.
يتجسد هذا المسار في أشخاص ومؤسسات تتولى تشكيل وعي المجتمع وتوجيهه، فكلما ازداد تأثير الإنسان في عقول الآخرين ، ازدادت قدرته على صناعة القبول أو الرفض، وعلى تقريب الحقيقة أو إبعادها، ومن بين أكثر الفئات تأثيراً في هذا المجال، أولئك الذين يمتلكون سلطة الكلمة، وسلطة المعنى، وسلطة القرار، لأنهم يشاركون في رسم الطريقة التي يفهم بها الناس أنفسهم والعالم من حولهم.
في هذا الزمن يظهر الدعاة بوصفهم نخبة المجتمع وحراس السلطة، يتحركون في مركز التأثير حيث تصاغ الأفكار التي يراها الناس طبيعية ومقبولة، فالراعي يفرض سلطته على الناس، أما الداعي فيسعى إلى فرض سلطته على عقولهم، فيحدد طريقة الفهم قبل أن يحدد شكل الفعل.
يظهر الخطيب ممسكاً بمفاتيح الرحمة والمغفرة، يوزع الرضا والسخط عبر خطابه، ويمنح القرب من السلطة غطاءً أخلاقياً يخفف عنها ثقل أفعالها، ويظهر السياسي ممسكاً بصندوق الهبات والمصالح، يعيد ترتيب العلاقات والنفوذ بما يحفظ توازن القوة واستمرارها، ويظهر المثقف متقناً للأعراف وملحّناً للمقال، يعيد صياغة الكلمات والمعاني، فيمنح الواقع وجهاً أكثر قبولاً، ويكسو الفساد لغةً تجعله أقل نفوراً في عيون الناس.
تتقاطع أدواتهم عند غاية واحدة، حماية السلطة التي تمنحهم المكانة، وحماية المكانة التي تمنحهم النفوذ، لذلك تضيق صدورهم باليقظة ، لأن الإنسان المستيقظ يرى ما وراء الخطاب ويميز بين الحقيقة وصورتها.
الدعاة يزرعون بذرة الشر حين يصنعون الطغاة، في هذه اللحظة لا يعود الطغيان فعلاً منفصلاً عن الأفراد ، بل يصبح نتيجة لمسار طويل تتداخل فيه الكلمة مع السلطة والمعنى مع النفوذ، حتى تتشكل صورة العالم في وعي الناس قبل أن تتشكل في الواقع نفسه، وحينها لا يبدو ما يحدث فرضاً خارجياً فقط، إنما امتداداً لما استقر في الفهم والقبول.
وحين ينكشف هذا التداخل بين الوعي والسلطة والمعنى، لا يعود السؤال موجهاً إلى أشخاص بعينهم بقدر ما يعود إلى الطريقة التي يصاغ بها الإنسان داخل مجتمعه، فكل بناء للمعنى يحمل في داخله أثراً أخلاقياً ، وكل خطاب يترك بصمته على ما يعتبره الناس حقاً أو باطلاً ، مقبولاً أو مرفوضاً.
وهكذا يعود الإنسان في النهاية إلى المسافة الأولى بين وعيه وأخلاقه، تلك المسافة التي يبدأ عندها الفهم، ويتحدد عندها شكل العالم كما يراه، لا كما هو فقط.