من “عار التطوع” إلى “وهم الاندماج”: هل يكرر الكورد مأساة الانصهار؟ قراءة في تحول خطير تحت غطاء “سوريا الجديدة”
* ماهين شيخاني.
مقدمة: بين الأمس واليوم.. قفزة إلى الخلف؟
لم يكن التطوع في جيش البعث العربي السوري، بأجوائه القومية المتعصبة وسياساته القمعية للهوية الكوردية، مجرد خيار شخصي. كان، في الوعي الكوردي الجمعي، عاراً لا يُغتفر، وخيانة للقضية قبل أن يكون خطأ سياسياً. من تطوع تحت لافتات “البعث” كان يُنظر إليه كمن يشرعن طمس هويته، ويضفي شرعية على نظام أنكر وجوده كلغة وثقافة وتاريخ.
لكن اليوم، وبعد سقوط ذلك النظام، وتحت شعارات “سوريا الجديدة” و”الاندماج الوطني” و”بناء جيش وطني موحد”، نجد بعض الكورد – أو من يحسبون على الكورد – يتطوعون مجدداً في مؤسسة عسكرية لا تزال تحمل، في جوهرها، هوية مركزية عربية، لم تتغير عقيدتها تجاه القوميات الأخرى.
هذا التحول ليس مجرد تغيير في الموقف، بل هو قفزة مقلقة إلى الوراء، تهدد بإعادة إنتاج نفس المأساة التي عانى منها الكورد لعقود، ولكن هذه المرة تحت عباءة “الاندماج” لا “البعث”. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل تعلم الكورد من تاريخهم شيئاً؟
أولاً: الاندماج أم الانصهار؟ (فرق ما بينهما كما الأرض والسماء)
يجب أن نكون دقيقين في استخدام المصطلحات، لأن الخلط بينها هو أصل البلاء.
المفهوم جوهره ما يعنيه للكورد
الاندماج، انضمام كيان إلى كيان أكبر، مع الاحتفاظ بالخصوصية الثقافية والقومية، والحقوق السياسية والإدارية المكفولة دستورياً. شراكة متساوية ضمن دولة تعددية، حيث للكورد ما لغيرهم وعليهم ما على غيرهم، مع اعتراف رسمي بهويتهم.
الانصهار ، ذوبان الكيان الأصغر في الأكبر، وفقدانه لخصوصيته، وتحوله إلى جزء لا يتميز عن الكل. اختفاء تدريجي للهوية الكوردية تحت وطأة المركزية القومية، وعودة إلى سياسات “تذويب الأقليات” التي مارسها البعث.
ما يراه البعض “اندماجاً” هو في الحقيقة، وبكل المقاييس الموضوعية، انصهار. لأن الشروط الأساسية لأي اندماج حقيقي – وفي مقدمتها الاعتراف الدستوري بالكورد كقومية لهم حقوقهم الخاصة، ونظام حكم لا مركزي يحمي تلك الحقوق – لم تتحقق بعد في سوريا الجديدة. فكيف تطلب من كوردي أن يندمج في جيش “الجمهورية العربية السورية” بينما لا يزال دستور هذه الجمهورية يصر على “عروبتها” فقط، متجاهلاً تعددها القومي؟
ثانياً: لماذا كان “عاراً” بالأمس وأصبح “واجباً” اليوم؟ (تناقض خطير)
هذا هو السؤال المحوري الذي يجب أن يطرحه كل كوردي على نفسه قبل أن يوقع على أي استمارة تطوع.
· بالأمس: كان التطوع في جيش البعث خيانة، لأن ذلك الجيش كان أداة لقمع الهوية الكوردية، وقاتل إلى جانب الأنظمة القمعية ضد أبناء شعبه.
· اليوم: لماذا لا يكون التطوع في جيش يحمل نفس الهوية المركزية (العربية)، ولم يقدم بعد أي ضمانات حقيقية لحقوق الكورد، مجرد “استمرار للخطيئة” بشكل جديد؟
الفرق الوحيد هو أن القناع تغير. قناع “البعث” سقط، وظهر قناع “سوريا الجديدة”. لكن خلف القناع، لا تزال العقلية المركزية القومية هي نفسها، والرؤية المستقبلية لدور الكورد في البلاد لا تزال غامضة ومقلقة.
بعض الكورد، أو من يحسبون عليهم، يسارعون اليوم إلى التطوع، ويصفون من يعترض على أنهم “معطلون للسلام” أو “متمسكون بالانقسام”. هذا ليس نضجاً سياسياً، بل هو انتهازية مقلقة، واستباق للمرحلة دون ضمانات، وتكرار ساذج لأخطاء الماضي.
ثالثاً: لسنا ضد السلم والأمان.. ولكن ضد الانصهار
من المهم أن نضع النقاط على الحروف: لا أحد من الكورد العقلاء يرفض السلام والأمن والاستقرار في سوريا. ولا أحد يرفض فكرة وجود “جيش وطني واحد” يحمي سيادة البلاد. ولا أحد يمانع في تفاهمات واتفاقات تنهي سنوات الحرب والدمار.
لكن الرفض يكون عندما تتحول هذه التفاهمات إلى غطاء لانصهار الكورد في بوتقة قومية واحدة، دون أي اعتراف حقيقي بحقوقهم التاريخية والدستورية. المطلوب ليس مجرد “تطوع” و”دمج”، بل:
1. دستور سوري جديد يعترف صراحة بـ”تعدد القوميات” في سوريا (كورد، عرب، سريان، تركمان، شركس..)، لا يكتفي بعبارة “الشعب السوري جزء من الأمة العربية”.
2. نظام حكم لا مركزي أو فيدرالي يمنح المناطق الكوردية (وغيرها) صلاحيات حقيقية في إدارة شؤونها المحلية، تعليماً وثقافة وإدارة.
3. تمثيل عادل للمكون الكوردي في كل مؤسسات الدولة، بما فيها الجيش، لا كأفراد “مندمجين”، بل كقوة وطنية لها وزنها وخصوصيتها.
4. قوانين تحمي الهوية الكوردية، وتجرم أي خطاب أو سياسة تهدف إلى إنكارها أو طمسها.
بدون هذه الضمانات، فإن أي حديث عن “الاندماج” هو مجرد وهم، وأي تطوع في جيش المركزية العربية هو مغامرة خطيرة قد تودي بما تبقى من حقوق كوردية في سوريا.
الخاتمة: دروس الماضي لا تُنسى
التاريخ الكوردي مليء بالدروس المؤلمة. أهمها: أن التنازل عن الحقوق قبل الحصول على الضمانات هو طريق مؤكد للندم. الذين تطوعوا في جيش البعث بالأمس دفنوا هويتهم طواعية، ثم بكوا عليها بعد فوات الأوان. اليوم، تتكرر الفرصة نفسها، لكن بوجه مختلف.
نحن مع سوريا الجديدة، مع السلام والاستقرار، مع جيش وطني يحمي الجميع. لكننا ضد الانصهار، وضد التطوع في جيش لا يعترف بنا كشركاء متساوين، وضد تغليف سياسات التذويب بثياب “الوطنية” و”الاندماج”.
فإما أن تكون سوريا لكل السوريين، بكوردهم وعربهم وسريانهم، ولكل قومية حقوقها الدستورية الكاملة. وإلا، فما يحدث اليوم ليس بناء دولة جديدة، بل هو استنساخ لعيوب القديم تحت إضاءة مختلفة.
والكورد الذين لم يتعلموا من تاريخهم، محكوم عليهم بأن يعيشوه مرة أخرى.