ألند مزوري
إن تضامن وموقف كل فرد كوردستاني موحد تجاه البيشمركة، هو وفاء لتلك النضالات العظيمة والواجب المقدس الذي ألتزمت به من أجل كوردستان وشعبها. فالبيشمركة ليست مجرد قوة مسلحة، بل هي رمز لبقاء وكرامة شعب كوردستان.
البيشمركة تعني كوردستان، وتعني الشعب؛ إنها القوة التي واكبت الوجود بالمرابطة ومقاومة الظلم، ودافعت عن مقدسات كوردستان وترابها وحقوق شعبها المشروعة. وهي صاحبة تاريخ حافل بالأمجاد والتضحيات الجسام. لقد وجدت البيشمركة من أجل القضية العادلة للشعب الكوردي، ومن أجل الإنسانية، الحرية، والحياة، وحاربت لتحقيق الرفعة والسيادة. لقد كانت قوةً تُزلزل الأرض تحت أقدام الأعداء بمجرد سماع اسمها، وكانت بمثابة المهابة والسطوة التي تطرد النوم من عيونهم، وتجعلهم يرتجفون رعباً وفزعاً، وهي قوة لم تنحنِ يوماً أمام الظلم والاستبداد.
- التأسيس، التاريخ، ومعنى الاسم:
يعود تاريخ البيشمركة كقوة منظمة ورسمية إلى عهد تأسيس جمهورية كوردستان في مهاباد (1946)، حيث تم اعتماد وتسمية هذا الاسم كأيقونة رسمية للمناضلين الكورد في ذلك الوقت على يد رئيس الجمهورية (قاضي محمد). وفي الوقت ذاته، كان للقائد القومي (الملا مصطفى بارزاني) دور رئيسي وتاريخي في هذه الجمهورية كقائد فذ ومحنك ضمن هذه القوة،و ولا سيما في وضع الخطط العسكرية الحديثة للبيشمركة، فضلاً عن كونه أحد الركائز الأساسية للثورات الكوردستانية.
يتألف مصطلح “بيشمركة” من كلمتين كورديتين: (پێش – الأمام/قبل) و (مەرگ – الموت)، والتي تعني حرفياً (الذي يتقدم الموت) أو (الذي يضع روحه على كفه لحماية الأرض والأمة).
والبيشمركة في الثقافة الكوردية ليست مجرد جندي يؤدي واجباً، بل هو ثائر يحمل قضية مقدسة، ومستعد لتقديم أغلى ما يملك في الحياة وهي (الروح) فداءً لحرية كوردستان.
- واجب ورسالة البيشمركة:
إذا نظرنا إلى تاريخ نشوء البيشمركة منذ البداية، سنجد أنها حملت رسالة إنسانية لحماية أرواح الكورد ورفع الظلم والاضطهاد عنهم وعن بقية المكونات والشعوب الأخرى. لم تكن البيشمركة يوماً قوة هجومية أو احتلالية، بل كانت دائماً حاملة لرسالة إنسانية مقدسة، تدافع عن الأرض والمياه وتحمي حدود كوردستان. لقد سعت دائماً لصون كرامة وحقوق الشعب الكوردي المشروعة تحت ظلال علم كوردستان المقدس. ومع ذلك، فإن الرسالة الأساسية للبيشمركة تمثلت دائماً في التعايش السلمي، وحماية جميع المكونات والأديان المختلفة التي تعيش في كوردستان مثل (الكورد، العرب، التركمان، المسيحيين، الإيزيديين، وغيرهم) دون أي تمييز.
- نضال وبطولات البيشمركة (من البداية وحتى اليوم):
إن تاريخ البيشمركة حافل بالملاحم البطولية في الدفاع والصمود، وأثبتت خلاله أنه لا توجد قوة عظمى قادرة على كسر إرادتها. ففي ثورات التحرر الوطني (أيلول وكولان)، تمكنت البيشمركة في ظل أقسى الظروف وبأقل عدد من المقاتلين وأبسط الأسلحة، من الوقوف بوجه أعتى وأكبر جيوش المنطقة، وإيصال القضية الكوردية إلى المحافل الدولية.
وفي انتفاضة عام 1991 العظيمة، لعبت البيشمركة دوراً محورياً باعتبارها المحرك والداينمو الأساسي للجماهير لانتفاضة وتطهير مدن كوردستان من نظام البعث الدكتاتوري.
أما في التاريخ الحديث، فقد سطر البيشمركة بطولات وصلت أصداؤها إلى كل أصقاع العالم خلال الحرب الكبرى ضد تنظيم داعش الإرهابي. ففي الوقت الذي عجزت فيه أكبر القوى العسكرية في المنطقة عن الصمود، كانت البيشمركة القوة الوحيدة على الأرض التي تمكنت من تحطيم أسطورة داعش. وفي هذه الحرب المفروضة، لم تدافع البيشمركة عن كوردستان فحسب، بل دافعت عن الإنسانية برمتها نيابة عن العالم أجمع، وحمت البشرية من خطر الإرهاب الداهم، مما جعل العالم يقف إجلالاً واحتراماً لاسم البيشمركة ويفخر بها.
- الواقع السياسي الحالي وحصانة البيشمركة الدستورية:
إن الموضوع الساخن اليوم على الساحة السياسية في العراق المتمثل في حل الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة كمنظومة أساسية للدفاع وحماية سيادة جمهورية العراق، ومحاولة إخضاع كافة القوى المسلحة تحت لواء الجيش العراقي (وهو قرار جاء بتوجيه مباشر من المبعوث الأمريكي بهدف تحجيم القوى الموالية لإيران وقطع الشريان الرئيسي الذي يربط بعض الجهات في العراق بإيران)، يشهد محاولات ومساعٍ لإقحام قوات بيشمركة كوردستان في هذا القرار.
ولكن، لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يشمل هذا القرار قوات البيشمركة في إقليم كوردستان. وذلك لأنه وفقاً للدستور العراقي لعام 2005، يتمتع إقليم كوردستان بمكانة قانونية ودستورية خاصة، لا سيما في ملف قوات البيشمركة. فالنص الدستوري يعترف صراحة بالبيشمركة كقوة حرس إقليم رسمياً ونظامياً: لحماية الإقليم، وبالتالي لا تنطبق عليها أي قرارات تتعلق بحل الفصائل أو تسليم السلاح. وإذا ما تم فرض هذا القرار على الإقليم، فإن ذلك يعد مؤامرة وعداءً صارخاً يتنافى مع المبادئ الدستورية، كما أن الشارع الكوردي لن يقبل بهذا بتاتاً، لأن سلاح البيشمركة لم يشكل يوماً تهديداً لأي طرف أو لأي دولة جارة، بل استُخدم دائماً للدفاع عن الشعب والوطن ضد المحتلين والأعداء.
ووفقاً للفقرة الخامسة من المادة (121) من الدستور العراقي، يحق لحكومة الإقليم تشكيل قوات الأمن الداخلي كالشرطة، الأمن (الآسايش)، وحرس الإقليم (والتي تقع قوات البيشمركة ضمن هذا الإطار القانوني) لحماية الإقليم.
ومن منظور الشرعية الدستورية، فإن البيشمركة ليست ميليشيا، بل هي قوة شرعية وقانونية معترف بوجودها في الدستور العراقي. وإن قرارات بغداد المتعلقة بحل الجماعات المسلحة لا يمكن تطبيقها على البيشمركة بأي شكل، كونها جزءاً من منظومة الدفاع الوطني العراقي ولكنها تخضع للقيادة المباشرة للمؤسسات الرسمية في الإقليم. بناءً على هذا، فإن أي قرار أو تحرك لإضعاف أو فرض شروط على سلاح البيشمركة يُعد انتهاكاً واضحاً للدستور العراقي وتهديداً للأمن القومي للإقليم، وهو أمر مرفوض قانونياً وشعبياً.
- الفرق بين البيشمركة والميليشيات:
إن القرارات الخاصة بنزع السلاح أو إلغاء المجموعات المسلحة لا تشمل قوات البيشمركة مطلقاً، لأن البيشمركة مؤسسة عسكرية رسمية وتعمل تحت مظلة وأوامر وزارة شؤون البيشمركة. ورغم أن البيشمركة -بحسب الدستور- تعد جزءاً من المنظومة الدفاعية العامة للعراق، إلا أن صلاحيات التنظيم، التسليح، والقيادة تقع حصرياً بيد المؤسسات الرسمية لإقليم كوردستان.
علاوة على ذلك، فإن تاريخ تأسيس ووجود قوات البيشمركة يمتد لعقود طويلة، ولا يمكن مقارنتها بالميليشيات الموجودة اليوم على الساحة السياسية العراقية، والتي أُنشئ معظمها من قبل إيران لأجندات غاياتها معروفة. ولو كانت هذه الميليشيات قد أُسست لحماية الأراضي العراقية وسيادتها، لما قامت (كما حدث في الأوقات السابقة) بشن هجمات متعددة بالطائرات المسيرة (الدرونات) مستهدفة مناطق إنتاج الغاز ومدن إقليم كوردستان الآمنة.س