حمدي العطار/السليمانية
رحلة عيد الاضحى
قرار السفر في أيام الأعياد ليس أمرا سهلاً، فالسياحة في هذه المواسم تخضع دائما لقانون العرض والطلب، ولا سيما في مدن إقليم كوردستان التي تتحول خلال العطل إلى مقصد لآلاف الزائرين. ومع ذلك، قررت أن أمضي عطلة عيد الأضحى مع جزء من عائلتي في مدينة السليمانية، رغم الارتفاع الكبير في تكاليف السفر والإقامة.
قبل العيد كانت الرحلة لا تتجاوز كلفتها مئة وخمسين ألف دينار، لكنها ارتفعت في أيام العيد إلى نحو تسعمئة ألف دينار لأربعة أشخاص ولمدة ثلاثة أيام، وهو فارق يكشف حجم الإقبال السياحي على مدن الإقليم، ويؤكد أن السياحة هناك أصبحت موسمية بامتياز.
كانت وجهتنا الأولى متنزه (هواري شار) وشوارع سالم والمدرج الروماني. ويعد متنزه هواري شار من أبرز الأماكن الحديثة في المدينة، إذ افتتح عام 2016، والدخول إليه برسوم رمزية لا تتجاوز خمسمئة دينار للسيارة الواحدة. يضم المتنزه مطاعم وأكشاكا وملاعب مجانية للأطفال، فيما يمنح الزائر شعورا مختلفا بسبب كثافة الأشجار واعتدال الطقس بين ممراته.
أكثر ما يلفت الانتباه داخل المتنزه ذلك المدرج الروماني أو المسرح المفتوح الذي صمم على غرار الكولوسيوم الشهير في روما، بطابعه المعماري المقوس وهيبته الحجرية التي تستعيد صورة الحضارة الرومانية القديمة. ورغم جمال الفكرة، بدا المكان مهملا نسبيا، ويقتصر استخدامه غالبا على التقاط الصور أو المناسبات المحدودة، وكأن الجمال فيه ينتظر من يعيد إليه الحياة.
أما شارع سالم سهولكة فهو عالم آخر تمامًا. يشبه في شهرته سوق مولوي، لكنه شارع ليلي بامتياز، ففي النهار يبدو هادئا وعاديا، وما إن تغرب الشمس حتى يتحول إلى كرنفال شعبي صاخب بالحركة والروائح والأصوات.
هناك تنتشر عربات الطعام على جانبي الطريق، ويتعالى نداء الباعة لعرض ما لديهم من كبدة، ولبلبي، وكنافة، ولحم مثروم، وعصائر، وفلافل، وبقلاوة، فضلاً عن ألعاب الأطفال والمقاهي الممتدة على الأرصفة. كما يجلس عازفو الآلات الموسيقية في زوايا الشارع بحثا عن الرزق، فيمنحون المكان روحا شعبية حميمة تجعل الليل أكثر دفئًا.
لفت انتباهي مجسم حديدي على هيئة قلب، علقت عليه أقفال بلا مفاتيح، فاستحضرت مباشرة جسر الفنون الشهير على نهر السين في فرنسا، حيث يضع العشاق أقفالهم ويلقون المفاتيح في النهر رمزا للحب الأبدي. سألت صاحب أحد المقاهي عن سر تلك الأقفال، فأجاب مبتسما: (العشاق هنا يقفلون قلوبهم على حبيب واحد فقط). هذا المشهد البسيط كشف لي جانبا آخر من شخصية السليمانية، فهي مدينة تحاول أن تستعير رموز العالم، لكنها تمنحها تفسيرا محليا وروحا كوردية خاصة.
لقد شعرت خلال الرحلة أن أهل السليمانية يجيدون فن التقليد إلى درجة تجعلك تظن أنك أمام الأصل ذاته، سواء في تصميم المدرج الروماني أو في بعض التفاصيل الجمالية المنتشرة في المدينة. لكن هذا التقليد لا يبدو سطحيا، بل هو محاولة لخلق فضاءات سياحية وثقافية تمنح الزائر متعة الاكتشاف وتفتح له نافذة على العالم.
وفي النهاية، تبقى السليمانية مدينة مختلفة ليست مجرد أماكن وأسواق ومتنزهات، بل حالة من المزج بين البساطة والحداثة، وبين المحلي والعالمي. وربما لهذا السبب يعود الزائر منها محملاً بالصور والدهشة، وبشعورٍ أن بعض المدن لا تزار مرة واحدة، بل تبقى مفتوحة في الذاكرة كرحلة مؤجلة إلى حين.