وجوه تعبر بنا… ووجوه تعبر فينا

تزرين يعقوب سولا

في أحد فروع الأسواق القريبة من منزلي، اعتدتُ أن أتسوّق من هناك بين الحين والآخر. لكن ما كان يلفت انتباهي باستمرار لم يكن البضائع المعروضة أو طريقة ترتيبها أو حتى جودتها، فقد أصبحت جزءًا من الروتين المألوف، بل تلك العاملة التي تجلس خلف صندوق المحاسبة.

كانت فتاة في الثلاثينيات من عمرها، متوسطة القامة، مشرقة الوجه، تستقبل الزبائن بابتسامة صادقة وكلمات ودودة، فتمنح المكان دفئًا إنسانيًا نادرًا في زمن السرعة والانشغال.

كانت روحها المرحة تنتقل إلى المتسوقين دون عناء، حتى أصبح وجودها جزءًا من متعة التسوق نفسها. ولشدة إعجابي بهذا الحضور الإيجابي، سألتها يومًا عن اسمها «بەهار خان» اسماّ يحمل معنى “الربيع”

عندها بدا الأمر وكأنه أكثر من مجرد اسم، فقد كانت بالفعل تشبه الربيع في إشراقه وهدوئه وقدرته على بث الحياة في من حوله. ولعل هذه الصورة المشرقة جعلتني أراها فائقة الجمال، وهي كذلك بالفعل، لأن جمال الروح كان يشع من ملامحها، وكانت ابتسامتها تملأ المكان بحضورٍ مريح ومحبب.

ومن هنا قادني هذا المشهد إلى تأمل الجانب الآخر من الحياة. ففي أيامنا العادية نصادف أشخاصاً في العيادات والمؤسسات والدوائر وأماكن المراجعات المختلفة، يتعاملون مع الناس بوجوه عابسة ونفوس مثقلة بالتذمر. أحيانًا تشعر وكأنهم غاضبون من الحياة نفسها، وأن هذا الغضب ينساب إلى كل من يقترب منهم، حتى وإن كان شخصًا لا يعرفونه ولم يسبق لهم أن التقوه.

قد لا نعرف الظروف التي يمرون بها، وقد تكون لديهم همومهم ومشكلاتهم الخاصة، لكن الفرق يبقى شاسعًا بين من ينقل للآخرين شعورًا بالراحة والاحترام، ومن يزرع التوتر والانزعاج في كل لقاء عابر.

وشتان بين طبيعتين: طبيعة ترى في التعامل مع الناس فرصة لنشر شيء من الأمل والإنسانية، وطبيعة أخرى تنظر إلى كل من أمامها باعتباره عبئًا إضافياً.
ويبقى التفاؤل واللطف لغة عالمية لا تحتاج إلى شهادات أو مناصب. فابتسامة صادقة قد تجعل يوم شخص أفضل، وكلمة طيبة قد تخفف عن إنسان لا نعرف شيئًا عن معاناته.

وفي النهاية تبقى الإنسانية، أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان للآخرين .

قد يعجبك ايضا