كركوك .. صرخة القمح المحتَج

صلاح بكر

تتجدد فصول الأزمة في كركوك ، لكن هذه المرة بصوت الفلاحين الكورد والتركمان الذين يواجهون واقعا مريرا يهدد قوت يومهم وأرضهم. ففي مشهد يتكرر ، تتصاعد الاحتجاجات ضد ما يعتبرونه تمييزا صارخا في تسويق محصولهم الاستراتيجي من الحنطة والشعير ، وتحديدا في أسعار الاستلام من قبل سايلو كركوك ، بالإضافة إلى عرقلة سيطرات الجيش في كركوك لعملية تسويق محصولهم ، مما يزيد من معاناتهم وتكبدهم خسائر فادحة.

يشكو الفلاحون الكورد والتركمان من التمييز في سعر الطن بين فلاحي الكورد والعرب عند استلام محصولهم. هذا التفاوت ليس مجرد فارق في السعر ، بل هو انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بملكية الأراضي الزراعية وتداعيات قرارات الماضي التي لم تُحل بعد. يعود هذا التمييز إلى أن عقود الأراضي الزراعية للفلاحين العرب لا تزال سارية المفعول ، في حين تم إطفاء أراضي الفلاحين الكورد والتركمان بموجب قرارات لجنة شؤون الشمال المنحلة، التي تعود إلى حقبة النظام السابق.

كان الأمل معقودا على القانون رقم 3 لسنة 2025 الذي صدر بهدف إلغاء قرارات لجنة شؤون الشمال وإعادة العقارات إلى أصحابها الشرعيين. لكن المفارقة تكمن في أن هذا القانون ، بدلًا من أن يكون حلًا ، تحول إلى أداة لتكريس المشكلة. فبموجبه تم إطفاء عشرات الآلاف من الدونمات الزراعية التي يملكها فلاحو الكورد والتركمان ، وتحويلها لصالح وزارات النفط والمالية والدفاع ، تحت حجج يعتبرها المتضررون غير مبررة وغير قانونية.

هذا الواقع يثير تساؤلات جدية حول مدى جدية الحكومة العراقية في معالجة ملف الأراضي المتنازع عليها ، وخصوصا في كركوك والمناطق الأخرى المشمولة بالمادة 140 من الدستور العراقي. يرى الكثيرون أن القانون رقم 3 لسنة 2025 يكرس عملية التعريب بدلًا من إيجاد حلول جذرية لمشكلة الأراضي ، مما يزيد من تعقيد المشهد الاجتماعي والسياسي في المنطقة.

إن الانتقائية في تطبيق القوانين والقرارات تثير استياءً واسعًا. فكيف يمكن تبرير استيلاء وزارة النفط على أراضي الفلاحين الكورد والتركمان ، بينما توجد قرى عربية بأكملها داخل حقول النفط، مثل قرية (باي حسن) وغيرها ، ولم يتم ترحيل سكانها أو الاستيلاء على أراضيهم لا في زمن النظام السابق ولا في الوقت الحالي؟ هذه الازدواجية في المعايير تؤكد وجود أجندات خفية تهدف إلى تغيير ديموغرافي في المنطقة، وتعميق الشرخ بين مكوناتها.

يطالب الفلاحون المتضررون الحكومة العراقية بالتدخل الجاد والفوري لإيجاد مخرج حقيقي لهذه الأزمة. يجب أن تتجاوز الحلول الترقيعية وتتجه نحو معالجة شاملة لمسألة إعادة الأراضي إلى أصحابها الشرعيين ، وإزالة جميع الآثار التي خلفها النظام السابق. إن القانون رقم 3 لسنة 2025في شكله الحالي ،لا يحقق العدالة المنشودة ، بل يرسخ الظلم ويزيد من معاناة الفلاحين. لذا من الضروري إجراء تعديلات جوهرية عليه ليكون قانونا منصفا يعيد الاراضي لاصحابها ويحمي حقوق جميع المكونات ، وكذلك يساهم في بناء الثقة والاستقرار في كركوك.
إن كركوك تستحق أن تكون نموذا للتعايش السلمي والتنمية ، لا ساحة للصراعات على الأرض والموارد. وعلى الحكومة العراقية، ومحافظ كركوك بشكل خاص ، أن تدرك أن استقرار هذه المدينة هو مفتاح استقرار العراق ككل ، وأن تحقيق العدالة في ملف الأراضي هو الخطوة الأولى نحو بناء مستقبل أفضل للجميع. فدور الحكومة حيوي في إيجاد حلول عاجلة لهذه المشكلات التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر ، والعمل على رفع الحيف عن الفلاحين المتضررين.

قد يعجبك ايضا